Yahoo!

 قال الله - تعالى -: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90

 

  رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ‏"‏{ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فهجرته إلى ماهاجر إليه}

 

 

أعظم نعمة علينافى هذه الدنياهى نعمة الاسلام 


 

مهند بن المنصورى  

 

الأعمال الصالحة لاتتوقف على زمان واحد ولكنها تتوقف على رب واحد.

دعوى إباحة الإسلام الاغتيال والإرهاب

كتبها أبو عبد الله السيد المنصورى ، في 27 يناير 2012 الساعة: 15:49 م

 دعوى إباحة الإسلام الاغتيال والإرهاب (*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المغرضين أن الشريعة الإسلامية تأمر بالإرهاب والقتل، ويستدلون على ذلك بما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أرسل أحد أصحابه لقتل كعب بن الأشرف، ويتساءلون: كيف يمكن التعايش مع أناس عقيدتهم تحثهم وتشجعهم على قتل الأنفس وسفك الدماء؟!! ويرمون من وراء ذلك إلى إقصاء الناس عن هذا الدين بوصفه دين الرعب والتخويف والإرهاب، وتشكيك المسلمين فيما تيقنونه من سماحة الإسلام ورحمته.

وجوه إبطال الشبهة:

1) الإرهاب معناه التخويف والإفزاع، وقيل: إن هذا المصطلح عام ينسحب في مفهومه على الذين يسلكون سبلا غير أخلاقية ولا مشروعة لتحقيق بعض الأهداف، كأن تكون سياسية أو اقتصادية أو شخصية..الخ.أما العنف، فهو أن تستخدم فئة القوة المادية في غير موضعها وبدون ضابط من خلق أو شرع أو قانون، والإسلام بريء من الإرهاب والعنف كليهما.

2) الإسلام دين الرحمة الكاملة بالإنسانية كلها، سواء فيها المسلمون وغيرهم، فقد حذر الإسلام أشد التحذير من ترويع الناس وإخافتهم وإشاعة الذعر في نفوس العباد.

3) لم يكن قتل "كعب بن الأشرف" من قبيل الإرهاب، إذ على الرغم من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - معه، إلا أنه أخذ في هجاء النبي والتشبيب بنساء المسلمين، وتحريض أهل مكة على المسلمين، فكان مستحقا للقتل من أكثر من وجه.

4) لقد كان حريا بمن نسبوا الإرهاب إلى الإسلام أو الإسلام إلى الإرهاب - وهو منه براء - أن ينسبوه إلى الإرهابيين حقا، الذين يسفكون دماء الأبرياء بغير حق، فلماذا يتهم الإسلام بالإرهاب رغم سماحته وخلوه من الأفكار الإرهابية التي تنتشر بين تعاليم الملل والنحل الأخرى؟!

التفصيل:

أولا. الفرق بين العنف والإرهاب وبراءة الإسلام منهما:

الإرهاب معناه في اللغة: التخويف والإفزاع والرهبة، أي الخوف والفزع، وأرهبه واسترهبه أي أخافه وأفزعه، ويصف القرآن الحكيم ما فعله السحرة بفرعون وجنوده بقوله عز وجل: )واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم (116)( (الأعراف)، أي: استدعوا رهبتهم حتى يرهبهم الناس. ولفظ "الإرهابيون" في مفهوم العصر الراهن يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسية.

ذلك هو المراد على وجه العموم بحقيقة الإرهاب والإرهابيين. وقيل: هذا المصطلح عام ينسحب في مفهومه على الذين يسلكون سبلا غير أخلاقية ولا مشروعة لتحقيق بعض الأهداف، كأن تكون سياسية أو اقتصادية أو شخصية أو غير ذلك من وجوه المصالح والأهواء غير المشروعة. وبصورة أدق حتى نتبين المفهوم الدقيق للإرهاب، نوضح الفرق بينه وبين العنف، فإن تحديد المفاهيم ضرورة علمية حتى لا تبقى هذه الكلمات الخطيرة مائعة هلامية، يفسرها كل فريق بما يحلو له، ويتبع هواه.

والعنف - فيما نرى - أن تستخدم فئة القوة المادية في غير موضعها، وتستخدمها بغير ضابط من خلق أو شرع أو قانون، ومعنى (في غير موضعها) أن تستخدم حيث يمكن أن تستخدم الحجة أو الإقناع بالكلمة والدعوة والحوار بالتي هي أحسن، وهي حين تستخدم القوة لا تبالي من تقتل من الناس، ولا تسأل نفسها:

أيجوز قتلهم أم لا؟ وهي تعطي نفسها سلطة المفتي والقاضي والشرطي.

أما الإرهاب، فهو أن تستخدم العنف فيمن ليس بينك وبينه قضية، وإنما هو وسيلة لإرهاب الآخرين وإيذائهم بوجه من الوجوه وإجبارهم على أن يخضعوا لمطالبك، وإن كانت عادلة في رأيك.

ويدخل في ذلك: خطف الطائرات، فليس بين الخاطف وركاب الطائرة - عادة - قضية، ولا خلاف بينه وبينهم، إنما يتخذهم وسيلة للضغط على جهة معينة، مثل حكومة الطائرة المخطوفة لتحقيق مطالب له، كإطلاق مساجين أو دفع فدية أو نحو ذلك، وإلا قتلوا من قتلوا من ركاب الطائرة، أو فجروها بمن فيها.

كما يدخل في ذلك: احتجاز رهائن لديه، لا يعرفهم ولا يعرفونه ولكن يتخذهم وسيلة ضغط لتحقيق مطالبه، أو يقتل منهم من يقتل.

هذا هو مفهوم العنف والإرهاب، وكلاهما ندينه ولا نرضى به، فإذا كنا ندين العنف بصفة عامة، فنحن ندين الإرهاب بصفة خاصة؛ لما فيه من اعتداء على أناس ليس لهم أدنى ذنب يؤاخذون به: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( (فاطر:18)، ولما فيه من ترويع البرآء الآمنين، فمن هدف إلى قتل أناس أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل في الحرب السياسية، فعمله مجرم ومحظور شرعا. إننا ندين الإرهاب بكل صوره، مهما كانت دوافعه ومنطلقاته خيرة في نظر أصحابه.

فمن المعلوم أن الإسلام يرفض الفلسفة التي تقول: "الغاية تبرر الوسيلة"، فالإسلام يلتزم ويلزم بشرف الغاية وطهر الوسيلة معا، ولا يجيز بحال من الأحوال الوصول لغاياته الشريفة بطرق غير نظيفة، لا يجيز للمسلم أن يأخذ الرشوة مثلا، أو يختلس المال ليبني به مسجدا أو يقيم به مشروعا خيريا «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا»([1]).

ثانيا. الإسلام دين الرحمة بالإنسانية كلها، سواء فيها المسلمون وغيرهم:

عرفنا أن الإرهاب هو أن تستخدم العنف فيمن ليس بينك وبينه قضية، وإنما هو وسيلة لإرهاب الآخرين وإيذائهم بوجه من الوجوه، فهل عرف الإسلام هذا النوع من العنف؟

نريد أن نبين للعقلاء والمنصفين ولكل ذي طبع سليم ولكل ذي ضمير يقظ، أن الإسلام أبعد العقائد والملل والفلسفات والشرائع عن الإرهاب، بل إن الإسلام دين الرحمة الكاملة بالإنسانية كلها سواء فيها المسلمون وغير المسلمين.

إن الإسلام بعقيدته السمحة والسهلة والميسرة قد جيء به أصلا لإشاعة الرحمة والأمن والسلام في هذه الدنيا، ولانتزاع أسباب الظلم والقهر والإرهاب بكل صوره وألوانه.

ذلك هو الإسلام، النظام الأخلاقي الأمثل، قد جيء به لترسيخ قواعد الحق والخير والعدل في هذه الأرض، ومن أجل أن تقوم حياة الناس على الأمان والثقة والحرية بعيدا عن الفساد والتخريب والإذلال، بعيدا عن التسليط والترويع والترهيب.

وأصدق دليل على ذلك قول القرآن الكريم يخاطب الله فيه نبيه الكريم - رسول الرحمة والهداية للعالمين:)وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)( (الأنبياء).

وها هو ذا - صلى الله عليه وسلم - يقول عن نفسه: «إنما أنا رحمة مهداة».([2]) ولما أوذي النبي الكريم؛ إذ آذاه المشركون والمتكبرون والسفهاء وألحقوا به ألوانا من التعذيب والكيد طلب منه المستضعفون أن يدعو على المعاندين الظالمين فأبى وقال:" إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة"([3]).

والقرآن الكريم نفسه جمع فريد من السور المتعاقبة ذات الإيقاع العجيب الباهر والتأثير المدهش الفاخر وبعجائبه البلاغية المذهلة وبيانه المتفرد الفذ، جاء ليرسخ في الدنيا الأمن والرخاء والخير والرحمة، وليبدد من هذه الأرض كل أسباب الترهيب والظلم، قال عز وجل: )وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين((الإسراء:82).

والإسلام يحذر أشد التحذير من ترويع الناس وإخافتهم وإشاعة الذعر في نفوس العباد، وذلك بمختلف الأسباب والوسائل في الترويع أو الترهيب، سواء بالإشارة بالسلاح، أو التهديد بالكلام الظالم، أو بغير ذلك من أساليب تثير في نفس الآخرين الرهبة والوجل.

وفي مثل هذا جاء الحديث النبوي الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمؤمن أن يروع مسلما»، وقد جاء هذا الحديث في رجل تسبب في فزع مسلم، إذ أخذ منه نعله وهو نائم على سبيل المداعبة، فانتبه فزعا فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما»([4]).

وعن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار»([5]).

وحتى في الحروب الإسلامية التي تلتحم فيها الجيوش بعضها مع بعض،لا يقتل إلا من يقاتل، و«لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة مقتولة في إحدى الغزوات أنكر ذلك وقال: "ما كانت هذه لتقاتل».([6]) ونهى عن قتل النساء والصبيان.

إلى غير ذلك من النصوص في النهي عن ترويع الإنسان لأخيه الإنسان سواء كان ذلك بالإشارة باليد أم بالسلاح أم بغير ذلك من أشكال التخويف التي تثير القلق أو الرعب في نفوس السامعين أو الناظرين، وسواء أكان ذلك مزاحا أم جدا.

ولئن كان هذا النهي أو التحذير بهذه الشدة المغلظة في حق التخويف للأفراد، أي: في حق الذين يروعون الناس أفرادا، فلا جرم أن يكون النهي والتحذير أشد في حق من يعتدي على المجتمع بترويعه وتخويفه وإثارة الرعب والفتنة والفوضى في صفوفه.

ولا ينبغي أن يفهم واحد أن هذه النصوص إنما ذكر فيها المسلم وحده فهي إذن خاصة به دون غيره من أهل الكتاب، فمثل هذا الفهم زلل ووهم، وإنما ذكر المسلم بالاسم بالنظر للأكثرين في المجتمع الإسلامي، والأكثرون هم المسلمون، فنسبتهم الغالبة والكبيرة.

وإذا ذكر الأغلب أو الأكثر فإنما يراد به المجتمع كله؛ مسلمون ويهود ونصارى، وذلك من غير تعصب ولا محاباة لأحد ضد آخر، ومن غير تفريق في ذلك بين أبناء المجتمع الواحد، بغض النظر عن ديانتهم وما يعتقدون، إذا فإن ذكر المسلم في النصوص إنما هو لحصول الكثرة في الأعداد، وللغالب الأكثر حكم الكل، ومما يدل على ذلك قوله عز وجل: )من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا( (المائدة:32)، من أجل ذلك أي: من أجل وجود هذه النماذج البشرية… من أجل الاعتداء على المسالمين الوادعين الخيرين الطيبين، الذين لا يريدون شرا ولا عدوانا… ومن أجل أن الموعظة والتحذير لا يجديان في بعض الجبلات المطبوعة على الشر، من أجل ذلك كله جعلنا جريمة قتل النفس الواحدة كبيرة، تعدل جريمة قتل الناس جميعا، وجعلنا العمل على دفع القتل واستحياء نفس واحدة عملا عظيما يعدل إنقاذ الناس جميعا.

إن قتل نفس واحدة في غير قصاص وفي غير دفع فساد في الأرض يعدل قتل الناس جميعا؛ لأن حق الحياة واحد ثابت لكل نفس. ومما يدل على ذلك أيضا قوله عز وجل: )وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6)( (التوبة).

يقول الشيخ سيد قطب في "الظلال": "إن هذا الدين إعلام لمن لا يعلمون، وإجارة لمن يستجيرون حتى من أعدائه الذين شهروا عليه السيف وحاربوه وعاندوه، ولكنه إنما يجاهد بالسيف ليحطم القوى المادية التي تحول بين الأفراد وسماع كلام الله، وتحول بينهم وبين العلم بما أنزل الله، فتحول بينهم وبين الهدى، كما تحول بينهم وبين التحرير من عبادة العبيد، وتلجئهم إلى عبادة غير الله… ومتى حطم هذه القوى، وأزال هذه العقبات، فالأفراد - على عقيدتهم - آمنون في كنفه، يعلمهم ولا يرهبهم، ويجيرهم ولا يقتلهم، ثم يحرسهم ويكفلهم حتى يبلغوا مأمنهم… هذا كله وهم يرفضون منهج الله.

وفي الأرض اليوم من أنظمة ومناهج وأوضاع من صنع العبيد، لا يأمن فيها من يخالفها من البشر على نفسه ولا على عرضه ولا على حرمة واحدة من حرمات الإنسان"([7]).

على أننا مع ذلك كله نتساءل عن هذه الفرية المكذوبة باتهام المسلمين بالإرهاب:

هل الذين يدفعون عن أنفسهم الشر والضيم يجاهدون للتحرر من أسر الذل والاستبداد إرهابيون؟ هل الدفاع عن النفس إرهاب؟ وهل الانتفاض في شجاعة وحمية وحماسة درءا للهوان والظلم والاستعمار والعبودية إرهاب؟ وهل الدعوة للإسلام ليشيع وينتشر وليستظل الناس بظله الكريم لكي تترسخ قواعد الأمان والاستقرار والسلام إرهاب؟ هل نزعة المسلمين العارمة الغاضبة في هذا الزمان من أجل التحرير ومحو العار الذي خلفه ظلم الاستعمار إرهاب؟

ثالثا. قتل كعب بن الأشرف ليس من قبيل الإرهاب، بل كان جزاء له على جرمه:

قبل الخوض في حادث مقتل كعب بن الأشرف لا بد من التعرض ولو بشيء من الإيجاز إلى تاريخ اليهود الأسود، وعلاقتهم بالدولة الإسلامية في مهدها وبداية نشأتها، خاصة أن كعبا هذا كان يهوديا:

·       بنو إسرائيل في المرجعية الإسلامية:

حظي بنو إسرائيل في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنصيب وافر من الإحاطة والشمول لكافة ما يتعلق بالعقيدة الإلهية ودور الدين ووظيفته في حياة البشر، استهدف الكشف عن بيئة الرسالة ونوعية المؤمنين بها والمعاندين لها من بني إسرائيل.

وبحكم كون القرآن هو كتاب الرسالة الخاتمة العامة للناس كافة، والتي ستنتقل بها النبوة على يد محمد - صلى الله عليه وسلم - من بني إسرائيل - بعد مطاف طويل الأمد بدأ بأبناء يعقوب وانتهى بالمسيح - عليه السلام - إلى بني إسماعيل، كان من المنطقي أن يقص هذا القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ما يمكن أن يعين على فهم طبيعة الرسالة الخاتمة إلى الناس جميعا، من هنا كان الخبر القرآني في كل ما يتعلق بالتاريخ الديني والسياسي لبني إسرائيل، فضلا عن خبره فيما انتهوا إليه من أمر العقيدة الدينية ونظرتهم إلى الأوامر الإلهية، خبرا مستفيضا يمتلئ بالدرس والعظة، فضلا عن تمييزه الحق من الباطل والخبيث من الطيب([8]).

فقد حكى القرآن كيف بدل بنو إسرائيل أركان الإيمان جميعها، فعاندوا المرسلين إما بالتكذيب أو بالقتل، وأعلنوا كفرهم بالله صراحة، وحرفوا الكتب المنزلة، وبعدوا عن الفهم الحقيقي للبعث والحساب؛ فاستحقوا لعنة الله في الدنيا وعقابه في الآخرة، وقد عرضت سورة البقرة - على سبيل المثال - لكثير من المنن التي تفضل الله بها على بني إسرائيل، وكيف قابلوها بتبديل العقيدة، ورفض النصح والإرشاد، واحتراف التزييف والتحريف والجدل والغدر ونقض العهود، والاستهانة بالأخلاق والحرمات والشرائع والاستعلاء العنصري والإلحاد المطلق، وكون كل ذلك من مفاتيح النفسية والشخصية اليهودية، وانتهت إلى أن الصراع بين الحق والباطل مستمر؛ لأن الباطل غير ساكن، ولا يلتزم بالآداب العامة والأخلاق الفاضلة التي تدعو إليها الأديان:)وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61)( (البقرة)، وأن نتيجة هذا الصراع ستئول في النهاية - مهما طال الأمد - إلى جانب الحق.

 وهذا ما يؤكده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود»([9]) ([10]).

·       تطور علاقة المسلمين باليهود:

لم تكن الهجرة فرارا بالدين خشية الفتنة فيه فحسب، بل كانت تعاونا على إقامة مجتمع جديد في بلد آمن، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائد هذا المجتمع، وإليه تنتهي أزمة الأمور بلا منازع، وقد كان يقطن المدينة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته من المهاجرين والأنصار أقوام تختلف طبائعهم ومشاربهم وهم: المشركون من أهل يثرب - المدينة المنورة - من الأوس والخزرج واليهود، وهؤلاء الأخيرون سكن منهم يثرب ثلاث قبائل مشهورة هي: بنو قينقاع كانوا حلفاء الخزرج، وكانت ديارهم داخل المدينة، وبنو النضير وبنو قريظة، وهاتان القبيلتان كانتا حلفاء الأوس، وكانت ديارهما بضواحي المدينة، وقد كانت هذه الطائفة - اليهود - تثير الحروب وتؤججها بين الأوس والخزرج.

وفي سبيل بناء المجتمع الجديد خطا النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة خطوات، منها: عقد معاهدة مع اليهود لاستيعابهم ضمن نسيج المجتمع الجديد، ولئن كان يهود المدينة ومجاوراتها يبطنون العداوة للمسلمين ورسولهم، فإنهم لم يكونوا قد أظهروها بعد، فعقد معهم الرسول معاهدة ترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، ولم يتجه ابتداء إلى سياسة الإبعاد أو المصادرة والخصام على أن يتناصروا معا في الدفاع عن مدينتهم ضد كل معتد، وبإبرام هذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقية، عاصمتها المدينة ورئيسها - إن صح التعبير - الرسول، والكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين، وبذلك أصبحت المدينة عاصمة دولة المسلمين، على أن اليهود - كما هو معروف من وقائع التاريخ - قد نقضوا بنود هذه المعاهدة وخانوا وغدروا مرة بعد أخرى، فنالوا جزاءهم المناسب في كل مرة بما يناسب جرمهم ويكافئ جريمتهم(

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الزعم أن الإسلام يحل ويحرم ما يشاء، والنصرانية ليست كذلك (*)

كتبها أبو عبد الله السيد المنصورى ، في 23 ديسمبر 2011 الساعة: 13:33 م

 مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن هناك مخالفة ملحوظة بين منهج الإسلام ومنهج النصرانية من حيث التحليل والتحريم؛ فهو في الإسلام حيثما اتفق لا قاعدة له ولا معيار، كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وهو في النصرانية ليس كذلك.

وجوه إبطال الشبهة:

1)  الأصل وحدة الدين السماوي التوحيدي وتعدد الشرائع حسب الزمان والمكان حتى جاءت الشريعة الخاتمة الخالدة.

2) شهادات الدارسين والباحثين تؤكد تحريف الأديان السابقة على الإسلام مما أوقعها في أخطاء ومتناقضات لا يقبلها عقل وعليه فلا يعترف إلا بالإسلام عقيدة وشرعا لأنه المصدر الأوحد الذي لم يحرف.

3) مزية الإسلام الجوهرية هي الشمولية لشأن الدنيا والآخرة، الروح والمادة، العبادة والقيادة؛ لذلك كثرت تشريعاته من الحلال والحرام وغيرها بخلاف الأديان الأخرى ذات النظرة الجزئية لا الشاملة كالمسيحية التي اهتمت بالجانب الروحاني فقط.

4) الأساس في التحليل والتحريم في الشريعة الإسلامية هو رعاية المصالح ودرء المفاسد: لقوله سبحانه وتعالى: )ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث( (الأعراف: ١٥٧) وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» [1].

التفصيل:

إن شريعة الإسلام تنزيل من حكيم حميد، والمحرمات منصوص عليها، وما لم ينص على تحريمه فهو مباح، إلا ما ثبت ضرره البين مما لم يكن موجودا في عهد الوحي، انطلاقا من قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، وقوله سبحانه وتعالى: )ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث( (الأعراف: ١٥٧).

وهذا الذي يرمون به الإسلام متحقق بوضوح في النصرانية، فهم الذين يبيحون ويحرمون ما شاءت أهواؤهم: )اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم( (التوبة: 31). وقال سبحانه وتعالى:)أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله( (الشورى: ٢١).

وقد خرجوا على شريعة التوراة، مع أنها جزء من كتابهم المقدس، بسبب تدخلهم في التحليل والتحريم، ومن ذلك أن الخنزير محرم في التوراة، وأباحه النصارى، وأن تعدد الزوجات مباح في التوراة، وحرمه النصارى، وأن الختان مشروع في التوراة، وغير مشروع عند النصارى.

أولا. وحدة الدين الإلهي - الإسلام - في أصله السماوي:

الإسلام دين الرسل جميعا من لدن آدم - عليه السلام - حتى محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم المرسلين. وقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة تأكيدا تاما، فذكر على لسان نوح قوله: )وأمرت أن أكون من المسلمين (72)( (يونس: 72)، وعلى لسان إبراهيم وإسماعيل: )ربنا واجعلنا مسلمين لك( (البقرة: 128)، وفي وصية يعقوب لأولاده: )إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132)( (البقرة: 132)، وعن موسى عليه السلام: )فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84)( (يونس). وفي معرض الحديث عن التوراة:)يحكم بها النبيون الذين أسلموا( (المائدة: 44)، وعن يوسف عليه السلام: )توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101)( (يوسف)، وعن سحرة فرعون وقد آمنوا بموسى)ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126)((الأعراف)، وعن حواري عيسى: )آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52)( (آل عمران)، وعن ملكة سبأ وقد آمنت: )وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44)( (النمل)، وفي دعاء الرجل الصالح: )وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15)( (الأحقاف).

وفي الحديث: «الأنبياء إخوة أبناء من علات، وأمهاتهم شتى ودينهم واحد»[2]. قال سبحانه وتعالى:)شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه( (الشورى: 13) [3].

يؤكد هذه الوحدة القائمة على التوحيد الخالص لله الخالق - عز وجل - الأستاذ أحمد عبد الوهاب بقوله: "إن الإسلام دين التوحيد الخالص، ولهذا فإن المسلم يعترف بصحة كل قول أو حديث يؤكد توحيد الله ويدعو إليه.

ومن أمثلة ذلك ما نجده في الأسفار، ويأتي مصداقا لما يقرره القرآن. ففي الوصية الأولى لموسى ولبني إسرائيل: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالا منحوتا، ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي". (الخروج 20: 2 - 5).

وفي الوحي إلى إشعياء: "قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون. أنا أنا الرب، وليس غيري مخلص. أنا أخبرت وخلصت وأعلمت وليس بينكم غريب. وأنتم شهودي، يقول الرب، وأنا الله. أيضا من اليوم أنا هو، ولا منقذ من يدي. أفعل، ومن يرد"؟. (إشعياء 43: 10 - 13).

وفي أقوال المسيح وتعاليمه: "وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته". (يوحنا 3: 17). "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه"؟ (يوحنا 5: 44).

"فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه أجابهم حسنا، سأله: «أية وصية هي أول الكل؟» فأجابه يسوع: «إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى. وثانية مثلها هي: تحب قريبك كنفسك. ليس وصية أخرى أعظم من هاتين». فقال له الكاتب: «جيدا يا معلم. بالحق قلت، لأنه الله واحد وليس آخر سواه. ومحبته من كل القلب، ومن كل الفهم، ومن كل النفس، ومن كل القدرة، ومحبة القريب كالنفس، هي أفضل من جميع المحرقات والذبائح». فلما رآه يسوع أنه أجاب بعقل، قال له: «لست بعيدا عن ملكوت الله»". (مرقس 12: 28 - 34).

وفي رسائل تلاميذه: "أنت تؤمن أن الله واحد. حسنا تفعل. والشياطين يؤمنون ويقشعرون! ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت"؟ (رسالة يعقوب 2: 19، 20).

وفي القرآن الكريم: )وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25)((الأنبياء)، )إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98)( (طه)، )قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110)((الكهف).

والله - عز وجل - ليس كمثله شيء: "ليس مثل الله يا يشورون. يركب السماء في معونتك، والغمام في عظمته". (التثنية 33: 26). "فبمن تشبهون الله، وأي شبه تعادلون به". (إشعياء 40: 18). "الله لم يره أحد قط". (يوحنا 1: 18). "الذي وحده له عدم الموت، ساكنا في نور لا يدني منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه". (رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس 6: 16). )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11)( (الشورى)، )لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103)( (الأنعام)[4].

تعدد الشرائع:

 لئن اتحد الدين الإلهي في جوهره التوحيدي لرب العالمين، فقد تعددت الشرائع بتعدد الأمم وتنوع الظروف وتغير الأحوال بتغير الزمان والمكان، وقد اختصت الأقوام السابقة كل بدعوة، حتى أرسل الله خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - بخاتمة الرسالات، وفي هذا الشأن. يقول د. شوكت عليان تحت عنوان "الحكمة من تعدد الديانات": "خلق الله تعالى الناس ولم يتركهم وشأنهم، بل اختار لهم نظما، وأحكاما تسعدهم في الدنيا والآخرة؛ وذلك لأن الإنسان عاجز عن إدراك المغيبات، ويتأثر تفكيره بمؤثرات من الزمان والمكان والمجتمع، وهو عاجز عن حمل غيره على طاعته لعدم قدرته على القهر الذي يربي الناس على كمال الطاعة، ولهذا جعل تعالى في كل أمة رسولا لها منها وأيده بالمعجزات، وأمده بتعاليم السماء لينشر الخير، ويعالج الشر ويبلغهم الوعد بالثواب، والوعيد بالعقاب: )لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما (165)( (النساء).

وقد شرع الله تعالى لخلقه ما يناسب حالهم، ويتلاءم مع ظروف حياتهم وقوة إدراك عقولهم، وقوة احتمالهم، لهذا تعددت شرائعه في عباده على لسان رسله - عليهم السلام - ففرض - عز وجل - من التكاليف على كل أمة ما يتناسب مع هذه الظروف المختلفة، حتى المعجزات التي أيد الله بها الرسل، اختلفت لتكون في كل طور آية لله عند كل فريق يؤمنون بها، ويصدقون على أساسها دعاة التوحيد قال سبحانه وتعالى: )لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا( (المائدة: 48).

وقد كانت الرسالات السابقة على الإسلام كلها خاصة بمعنى أن كل رسول كان يختص بدعوته جماعة معينة لا تكلف بها جماعة أخرى، قال ابن عاشور: ولما كان العالم كله مركبا من آحاد الناس، ومملوءا بأفعالهم، وهم يقتربون ويبتعدون من هذه الدرجة بمقدار نفوذ سلطان الدين إلى نفوسهم ومساعيهم، كان إصلاحه غير حاصل إلا بإصلاح أجزائه القابلة للإصلاح، وهو إصلاح نفوس آحاد الناس. ثم يلزم أن يكون صلاح الآحاد متماثلا في أصوله ليمكن التعاشر والتآلف، فإن الاختلاف في أصول الأحوال النفسانية يجر إلى تعذر الائتلاف.

هذه غاية الأديان، وقد سلكت لها مسالك كثيرة، وهي مثل الطرقات العامة، تختلف بالطول والقصر والسعة والضيق، على حسب اختلاف استعداد الأمم ومدى تقبلهم، كي لا يحرج الله تعالى الناس بتحميلهم ما لا قبل لهم بتحمله رحمة منه تعالى. علم - عز وجل - أن في طبع البشر البعد عن إدراك ما لم تتهيأ نفسه لإدراكه، ولو أننا فرضنا استسلامه إلى الأوامر والنواهي فهو لا يلبث أن ينحرف ويحيد عنها بقصد أو غير قصد، فالأديان هي مبدأ إرشاد البشر إلى طريق الصلاح منذ ظهر على الأرض، ولم تزل تسمو به في درج الارتقاء كما يربى الطفل في نشأته.

ثم إن انقسام البشر وتشعبه، وتباعد أقطار إقامته، وصعوبة اختلاط بعضهم ببعض وضعف دواعي تواصلهم، وتعذر أو تعسر أسباب ذلك، وضعف القوى النفسية بسبب العداوة والبغضاء بينهم بتوهم كل فريق أو شخص أن صلاحه بإضرار غيره، وحياته بهلاك غيره، مع ما يضاف إلى ذلك من إغراء الباغين من الزعماء المضللين؛ كل ذلك قد فرق جماعتهم، وباعد بين أخلاقهم وعوائدهم، وبث بينهم العداوة والبغضاء، فحال دون الالتئام والألفة والاتحاد.

فلهذا كانت الأديان السابقة للإسلام تجيء خاصة بعشائر ثم بقبائل، ثم بأمم، والذي نجده منها يناسب حال أمة أو قبيلة، قد لا يناسب حال غيرها. وقد صرحت الأديان السالفة كلها والشرائع السابقة بتخصيص دعوتها بقوم معينين، فموسى - عليه السلام - مثلا، مع اختراقه أمما كثيرة في جهات بني إسرائيل في طرق التيه، قاصدين الأرض المقدسة، لم يدع إلى اتباعه غير قومه السائرين معه، ولما جاء عيسى - عليه السلام - لم يدع إلى اتباع دينه غير بني إسرائيل. وقد تحدث القرآن الكريم عن الأنبياء في إطار الخصوصية لدعواتهم، فقال سبحانه وتعالى: )كذبت قوم نوح المرسلين (105)( (الشعراء)، وقال سبحانه وتعالى: )كذبت قوم لوط المرسلين (160)( (الشعراء).

وعدد المرسلين كثير، وقد كفانا الله مؤونة حصرهم، فقال سبحانه وتعالى)ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك( (غافر: ٧٨). وسمى الله تعالى منهم في القرآن الكريم خمسة وعشرين أكثرهم في سورة الأنعام، قال سبحانه وتعالى: )وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (83) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86)( (الأنعام).

وهذه الديانات، وإن تعددت في الفروع والتكاليف والأعمال، فهي قد اتحدت في المصدر الذي صدرت عنه، وهو الله تعالى، واتحدت أيضا في الأصل الذي دعت إليه وهو التوحيد، فالقدر المشترك بين الرسالات جميعا هو تصحيح العقيدة أولا، ثم معالجة الأمراض الخلقية والاجتماعية الموجودة في تلك البيئات، قال سبحانه وتعالى: )ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت( (النحل: 36)، وقال: )وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25)( (الأنبياء)، وقال: )شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه((الشورى: 13) [5].

ثانيا. تحريف الديانات السابقة:

مما لا مراء فيه أن الأديان السابقة قد أصابها التحريف والتبديل، مما حرفها عن أداء رسالتها الصحيحة وأوقع في عقيدتها ومسيرتها كثيرا من الأخطاء والأغاليط، وقد حفلت كتبها المقدسة بكثير مما هو بشري ناقص، مما باعد بينها وبين أصلها السماوي، وأفقدها - في نظر كثيرين من نقاد وعلماء الأديان الشرقيين والغربيين - سمة القداسة وصفة السماوية.

لتأكيد هذا نورد شهادات لأحد رجال الدين والقانون وهو د. روبرت كيل تسلر في كتابه "حقيقة الكتاب المقدس" - الذي يقيم التوراة والإنجيل، أو ما يسمى بالعهدين القديم والجديد - يقول: "ووجهة نظرنا هي أن الكتاب المقدس مليء دون شك بالنبضات الإلهية والحقائق الكبرى، ولكنه أيضا كتاب بشري يحتوي على ما لا يحصى من النقص بكل أشكاله[6].

ويعلق مترجم الكتاب على هذا الرأي قائلا: "وهنا أتساءل: ما القيمة العلمية أو الأدبية أو التربوية أو حتى التاريخية لهذا الكتاب، إذا كان يحتوي على ما لا يحصى من النقص البشري؟! ولا أعرف هل يعرف د. روبرت كيل نفسه ما معنى كلمة "كتاب مقدس"؟

فإن معناه أن من أوحى به هو الله، ولا دخل لأي عنصر بشري في محتواه. وعلام الاهتمام بكتاب بشري يجمع في طياته بعضا من الومضات الإلهية، وبه كل هذا النقص والتناقض[7]؟ وبشكل أدق يقول كيل أيضا: "إنه لا توجد صفحة واحدة من صفحات الأناجيل المختلفة لا يحتوي نصها الأصلي على العديد من الاختلافات[8].

وفي موضع ثالث يقول كيل: "وينهى القس شورر كلامه قائلا: إن الهدف من القول بالوحي الكامل للكتاب المقدس، وبالمفهوم الرامي إلى أن يكون الله هو مؤلفه، هو زعم باطل ويتعارض مع المبادئ الأساسية لعقل الإنسان السليم، الأمر الذي تؤكده لنا الاختلافات البينة للنصوص، لذلك لا يمكن أن يتبنى هذا الرأي إلا إنجيليون جاهلون أو من كانت ثقافته ضحلة[9]، وما يزيد دهشتنا أن الكنيسة الكاثوليكية ما زالت تنادي أن الله هو مؤلف الكتاب المقدس. وحتى أشهر آباء الكنيسة - أوجستين - قد صرح بعدم الثقة في الكتاب المقدس لكثرة الأخطاء، لذلك لم يعرف كتاب مثل هذه الأخطاء والتغييرات والتزويرات مثلما عرفه الكتاب المقدس[10].

وينقل عن ثان فيقول: "ويشير يوليشر.. كذلك إلى التغييرات المتعمدة خصوصا في نصوص الأناجيل، حيث يقول: إن الجاهل فقط هو الذي ينكر ذلك. كما أكد كل العلماء في المائة سنة الأخيرة حقيقة وجود العديد من التغييرات المتعمدة التي لحقت بالكتاب المقدس في القرون الأولى الميلادية، ومعظم هؤلاء العلماء الذين أرادوا الكلام عن الكتاب المقدس ونشأته ونصه وقانونيته بصورة جدية من لاهوتي الكنيسة[11].

إذا، فالأديان السماوية، وإن اشتركت في أصلها التوحيدي السماوي، فإن غير الإسلام منها قد حرف وطالت أصوله يد التبديل والتغيير بل التزوير، ولهذا فالإسلام وحده هو من يعد المتحدث الرسمي عن السماء، وأن حلاله وحرامه موافق لتعاليم المولى عز وجل.

ثالثا. مزية الإسلام الكبرى:

بالإضافة لهذا فللإسلام مزية جوهرية هي أنه ليس دين تعاليم روحانية مثالية أخلاقية عقائدية فقط، وإنما هو، كما هو معروف وثابت، دين عقائد وعبادات ومعاملات، ودنيا وآخرة، دين ودولة، عبادة وقيادة، دين عام في الزمان والمكان، صالح لكل عصر ومصر.

ولهذا فقد كثر في شريعته وفقهه التحليل والتحريم لتعرضه بالتنظير والتقييم والتقويم لأحوال الناس المستجدة ومعاشهم المستمر، أما النصرانية فإنها تدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، كما هو مشهور في أدبياتها، ومن ثم لا صلة لها بالتحليل والتحريم إلا من طرف خفي خافت باهت.

ومن هنا لا يصح القول ولا تجوز المقارنة بين الإسلام والمسيحية، بحيث يقال إن شريعة محمد مخالفة لدين المسيح مضادة له، تحل ما تشاء وتحرم ما تشاء. فالإسلام - كما سبق - يوافق النصرانية وغيرها من الأديان السماوية - في أصلها الصحيح قبل التحريف - في عقيدة التوحيد. أما فيما عدا ذلك فلا موضع للمقارنة إذ لا شريعة، ولا فقه، للدنيا في النصرانية تقارن بشريعة الإسلام المفصلة بهذا الشأن، وكما قيل فإن مملكة المسيحية هي السماء لا الأرض. أما الإسلام فمملكته السماء والأرض والحضر والمدر والوبر والسهل والوعر.

والحق أنه لا مقارنة من الأصل، تصح بين دين حفظ الله كتابه المقدس - القرآن الكريم - حرفا حرفا وبين آخر ذهبت قدسية كتابه، وما قد يكون به من شيء من الشرائع، فقد عبثت به يد التأليف والتلفيق البشري على مر القرون باعتراف رجال كنيسته وعلماء لاهوته!

حول هذه المزية الجوهرية للإسلام، من حيث كونه عقيدة وشريعة، وعبادة ومعاملة، وامتيازه بذلك على سائر الأديان، كما وكيفا، التقت أقلام كبار المفكرين والعلماء تؤكدها وتبلورها. يقول الأستاذ أحمد عبد الوهاب مقارنا بين الإسلام وغيره من الأديان، في هذا الشأن تحت عنوان "الدين والناس والحياة": "ماذا يريد الإنسان في هذه الحياة؟ إنه يريد - أولا - تحقيق مطالبه الفطرية والغريزية، ثم هو يريد الأمن والسلام والحرية والفرح والمتعة، والحياة المستمرة. إنه - باختصار - يريد السعادة الأبدية، وهو بالطبع لا يريد مضادات السعادة الأبدية من أحزان وآلام وموت وعذاب، إن الإنسان لا يريد الشقاء.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

توهم تناقض القرآن بشأن بشارة مريم بعيسى عليهما السلام (*)

كتبها أبو عبد الله السيد المنصورى ، في 22 ديسمبر 2011 الساعة: 14:08 م

 

مضمون الشبهة:

يتوهم بعض المشككين أن هناك تناقضا بين قوله - عز وجل -: )فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالـت إنـي أعـوذ بالرحمن منـك إن كنـت تقيـا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21)( (مريم)وقوله - عز وجل -: )إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47)( (آل عمران)ويتساءلون: كيف يذكر القرآن أقوالا عديدة متناقضة في وصف موقف واحد؟ ويستدلون بذلك - في توهمهم - على أن القرآن ليس من عند الله تبارك وتعالى؛ ما دام فيه هذا التناقض!

 

 

 

 

وجه إبطال الشبهة:

 

 

 

 

 

تعددت الأقوال في بشارة مريم بعيسى - عليه السلام ـ؛ لأن الموقف يحوي داخله مواقف متعددة، فلا يمكن أن يعبر عنه بجملة واحدة، وهذه المواقف المتعددة المتضمنة:

 

 

 

·   خطاب مريم - عليها السلام - مع جبريل - عليه السلام - وإخباره إياها بأنه سيهب لها غلاما زكيا بأمر من الله - عز وجل -.

 

 

 

·       الملائكة - بلسان جبريل - عليه السلام - تبشر مريم باسم ولدها وصفاته ومعجزاته.

التفصيل:

هذه الأقوال يجمعها موقف واحد، لكنه موقف مطول احتوى موقفين متتاليين:

وقد عرضت سورة مريم الموقف الأول (وفيه ظهور الملك لمريم وارتياعها منه، ثم مجمل البشارة)، ثم عرضت سورة آل عمران الموقف الثاني (وفيه تفصيل البشارة بذكر اسم الولد وصفاته ومعجزاته)، وذلك على ما نفصله فيما يلي:

1.    خطاب مريم لجبريل - عليه السلام -، وإخباره لها أن الله سيهب لها غلاما زكيا:

تمثل جبريل - عليه السلام - لمريم وهي في المحراب على صورة بشرية في غاية الجمال، فخافت مريم، وقالت: )قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18)( (مريم)، أرادت أن تحتمي بالله، وسألته: أهو إنسان طيب يعرف الله ويتقيه؟ فجاء جوابه ليطمئنها بأنه يخاف الله ويتقيه: )قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19)( (مريم)، استغربت مريم العذراء[1] ذلك، فلم يمسسها بشر من قبل، ولم تتزوج، فكيف تنجب بغير زواج؟! فقالت لرسول ربها: )قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20)( (مريم)، قال الروح الأمين: )قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21)( (مريم)، استقبل عقل مريم كلمات الروح الأمين، ألم يقل لها: إن هذا هو أمر الله؟ وكل شيء ينفذ إذا أمر الله - عز وجل - به، ثم أي غرابة في أن تلد بغير أن يمسسها بشر؟ لقد خلق الله تبارك وتعالى آدم من غير أب أو أم؛ إذ لم يكن هناك ذكر وأنثى قبل خلق آدم، وخلقت حواء من آدم، فهي من ذكر بغير أنثى، ويخلق الله عيسى ابن مريم من أنثى من غير أب، والعادة أن يكون للإنسان أب وأم، إذ المعجزة تقع عندما يأذن الله تعالى بوقوعها.

2.    الملائكة - بلسان جبريل - عليه السلام - تبشر مريم بالمسيح، وما اختص به من معجزات وآيات بصورة مفصلة:

3.  جاء جبريل - عليه السلام - مريم العذراء، وذكر لها الصفات التي منحها الله - عز وجل - هذا الغلام بصورة مفصلة فقال: ) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دعوى اقتباس القرآن الكريم من التوراة والإنجيل (*)

كتبها أبو عبد الله السيد المنصورى ، في 21 ديسمبر 2011 الساعة: 14:09 م

 

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن القرآن الكريم ليس وحيا من عند الله تعالى، بل هو من وضع محمد - صلى الله عليه وسلم - استقاه من كتب أهل الكتاب - اليهود والنصارى - التي أخذ منها معظم تشريعاته.

وجوه إبطال الشبهة:

1)  لو كان القرآن الكريم من عند اليهود أو النصارى لقالوا ذلك، ولكنهم لم يفعلوا، وكذلك لم يفعل العرب.

2) إن التضارب والتناقض اللذين أصابا الكتب التي أوردت هذه الشبهة في حديثها عن إلهية القرآن وبشريته يؤكد زيف دعوى هؤلاء المشككين المغالطين.

3)  مخالفة القرآن الكريم للكتب السابقة في العقيدة وجل التشريعات تدحض هذا الافتراء.

4)  شهادات الغربيين التي تؤكد تفرد القرآن عن غيره من الكتب السماوية تشهد بقدسيته وإلهيته.

التفصيل:

أولا. هل ادعى اليهود والنصارى في أيام نزول الوحي أن القرآن مستوحى من الكتاب المقدس؟

لقد تكفل الله - عز وجل - بحفظ القرآن وجعله الكتاب الخالد المعجز، ولم يترك هذه المهمة الكبيرة لنبي مرسل أو ملك من الملائكة، فقال سبحانه وتعالى: )إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9)( (الحجر) وقال تعالى أيضا: )قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88)( (الإسراء)، فهذه الآيات وغيرها تؤكد أن هذا القرآن من عند الله تعالى، وأنه سبحانه هو الذي تولى حفظ هذا النص من الضياع أو التحريف أو الزيادة أو النقصان. فهذا هو أعظم دليل.

ولو كان هذا القرآن من عند النصارى أو اليهود - كما يدعي هؤلاء - لكانوا أسرع الناس في نسبة هذا النص لأنفسهم منذ بداية ظهوره، ولكن لم يقل أحد من اليهود والنصارى في زمان نزول الوحي وتتابعه بأن هذا النص من كتابه المقدس؛ لأنه يعرف الفرق الواضح بين الكتابين، سواء في التشريعات أو العقائد التي جاء بها، ولم يقل أحد من العرب إن هذا النص من عند محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنهم أصحاب هذه اللغة ويعرفونها معرفة جيدة، ولذلك تحداهم الله تعالى أن يأتوا بسورة من مثله، بل بآية واحدة، وكل ما قاله العرب في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه - حاشا لله - ساحر أو مجنون أو كاهن، أو غير ذلك من الادعاءات الباطلة أيضا.

ثانيا. تضارب الكتب التي أوردت هذه الشبهة في حديثها عن إلهية القرآن وبشريته:

 من يقرأ الكتب التي أوردت هذه الشبهة قد يجد في بعضها ردا على هذه الدعوى الباطلة، من تلك الكتب الكتاب الذي ألفه القس جورج بوش الجد تحت عنوان "محمد مؤسس الدين الإسلامي، ومؤسس إمبراطورية المسلمين" ففي هذا الكتاب بعض النصوص التي تؤكد فكرة بشرية القرآن، وفيه نصوص أخرى تشكك في هذه الفكرة، فمن النصوص الأولى: " والاعتقاد الأكثر شيوعا هو أن محمدا تلقى العون الرئيسي - وضع القرآن أو تأليفه - من راهب مسيحي على المذهب النسطوري اسمه "سرجيوس" يفترض أنه نفسه "بحيرا الراهب" الذي تعرف عليه - صلى الله عليه وسلم - في فترة مبكرة من حياته في بصرى في الشام". ([1])وقال أيضا: فإن القرآن قد تمت صياغة محتواه - على حد كبير - من مواد العهدين القديم والجديد ([2]).

فالنصوص السابقة تقرر أن القرآن الكريم - حسب زعم هؤلاء - من وضع محمد - صلى الله عليه وسلم - اعتمادا على نصوص العهدين القديم والجديد.

 ولكننا نجد في مكان آخر من هذا الكتاب ردا على هذه الدعوى، حين يقول الكاتب: "فمن هو القادر في هذه الفترة الحالكة على وضع نص كهذا". ([3]) يعني: النص القرآني. وفي موضع آخر: "هذا الوحي المدعى بادعائه استقلاليته - أي القرآن - عن كتبنا المقدسة يضم - رغم هذا - فقرات - آيات - أرقى كثيرا من أية بقايا أدبية تعود للقرن السابع، سواء كانت يهودية أو مسيحية، فهذه الآثار الأدبية - أي اليهودية والمسيحية - أدنى كثيرا - بلا شك - من محتويات ذلك الكتاب المقدس". ([4]) يعني القرآن. ويقول في موضع ثالث: "وعلى هذا فستظل مسألة حقيقة القرآن مسألة لا حل لها إلى الأبد، فليس لدينا أدلة حاسمة على تاريخ وضع القرآن، ولا نعرف إلى أي مدى كان محمد - صلى الله عليه وسلم - عارفا بالكتب المسيحية المقدسة"، ([5]) وفي موضع رابع يقول: "وليس من السهل ترجمة القرآن بالنسبة للذين تعرفوا عليه في لغته الأصلية، فهناك اعتراف عالمي بأنه - أي القرآن - يتسم بامتياز لا حد له، لدرجة أنه لا يمكن ترجمته لأية لغة أخرى، إنه - أي القرآن - نموذج يحتذيه اللسان العربي، إنه مكتوب في معظمه بأسلوب أنيق".

كل هذه النصوص وغيرها يبتغي أعداء الإسلام من ورائها التشويش على معتقدات المسلمين الراسخة في أذهانهم، ولكن هذا لن يكون باعترافهم أنفسهم، فما هي إلا مجرد مكابرة باطلة، وعدم سماع لصوت الحق الذي يخرج من داخلهم عند سماع القرآن الكريم.

ثالثا. بين القرآن والكتب السابقة عليه:

 من يطالع آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السابقة - التوراة والإنجيل - يرى فرقا كبيرا بين المصدرين، ويرى العديد من الأمور التي يتعارض فيها القرآن مع الكتب المقدسة، فكيف يمكن القول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي وضع القرآن واعتمد في وضعه على كتب السابقين؟! أينقل عن مصدر وينص على تحريف هذا المصدر وعدم صحته؟! إن هذا لشيء عجاب.

لا شك أن القرآن والتوراة والإنجيل وكل الكتب السابقة تتفق في توحيد الله تعالى والدعوة لعبادته من دون المخلوقات جميعا، ولكن الكتب الموجودة الآن - ما عدا القرآن - كتب محرفة، ولا يمكن الاعتماد عليها في نقل العقائد والشرائع، وهذا ما نص القرآن الكريم عليه في العديد من آياته قال سبحانه وتعالى)أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75)((البقرة).

ومن العقائد التي يخالف فيها القرآن الكتب المقدسة المحرفة عقيدة التوحيد، فالله - عند المسلمين - واحد لا شريك له ولا يعبد أحد سواه، أما عند النصارى فإن الله ليس واحدا، بل هو ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، وهو عند أصحاب الكتب السابقة يندم على أفعاله ويرجع فيها وهو يتعب من خلق السماء والأرض فيستريح بعد خلقها، وغير ذلك من العقائد الفاسدة، فكيف نقول إن القرآن أخذ من الكتب السابقة عليه؟!

وفي جانب التشريعات نجد الصلاة عند المسلمين تختلف عن الصلاة عند أصحاب الكتب السابقة، وكذلك الصوم والحج والزكاة، وجانب المعاملات أيضا يختلف كثيرا عن معاملات أهل الكتاب، فالغش والرشوة في الإسلام حرام، أما عند اليهود فيجوز أن تأخذ الرشوة من غير اليهودي، وتحرم من اليهودي، والإسلام يدعو لحسن معاملة أهل الذمة من اليهود والنصارى، أما أهل الذمة فيعتقدون أن المسلمين مجرد عبيد لهم، والإسلام يدعو إلى مجادلة أهل الكتاب بالحسنى، فقال سبحانه وتعالى

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

دعوى أن الإسلام يرسي مبادئ العنصرية والتعصب (*)

كتبها أبو عبد الله السيد المنصورى ، في 18 ديسمبر 2011 الساعة: 13:15 م

 مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن الإسلام وضع بعض المبادئ التي تتسم بالعنصرية والتعصب، إذ إنه لم يسو بين المسلمين وغير المسلمين في الحقوق والواجبات، وفي ذلك إهدار لإنسانية غير المسلم وحط لكرامته، هادفين من زعمهم هذا إلى تشويه حقيقة الإسلام والمسلمين في تعاملهم مع الغير.

وجوه إبطال الشبهة:

1) تكريم الإسلام للإنسان والارتقاء به، واستخلافه في الأرض واستعماره فيها من أهداف الدعوة الإسلامية ومقاصدها.

2) إرساء الإسلام لمبادئ المساواة العامة وتأصيلها والحض عليها. كان من أول المبادئ في البعثة، بل هو الأساس الذي قامت عليه رسالة الإسلام العالمية.

3)   في المجتمعات الإسلامية تصان الأقلية في ضوء احترام قيم ومشاعر الأكثرية.

4)   عنصرية غير المسلمين ترجمة لمعتقداتهم الزائفة، فكل إناء بما فيه ينضح.

التفصيل:

أولا. تكريم الإسلام للإنسان والارتقاء به، وجعله خليفة الله في الأرض.

إن أعظم ما امتازت به شريعة الإسلام هو تكريمها للإنسان، ولم يبلغ شأوها في ذلك - لا تشريعات سماوية، ولا قوانين وضعية، فقد ارتقت بالإنسان إلى حد أن أسجد الله له الملائكة، على نحو ما ورد في القرآن في قوله تعالى: )إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74)( (ص)، وموجبات هذا التمييز للإنسان أن الحق - عز وجل - قد اصطفاه من بين جميع خلقه؛ ليكون خليفة عنه في الأرض يعمرها ويحميها من الفساد، مستثمرا ما هيأه له الله فيها من الجهاد والمعاش، حتى يمكن فيها لكلمات الله من الحق والعدل والإصلاح[1].

 

وعن تكريم الإسلام للإنسان، ومعايير هذا التكريم يحدثنا المفكر الإسلامي فهمي هويدي قائلا: "إن الكتابات الإسلامية التي تعالج موضع الإنسان من قريب أو بعيد، لا تكف عن ترديد عبارات التكريم، والاستخلاف التي يحفل بها القرآن الكريم. وهي ترسم صورة رائعة بحق لقيمة هذا المخلوق العظيم، التي تحدد ملامحها العديد من الآيات، في مقدمتها قوله تعالى: )ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70)( (الإسراء)، )لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4)((التين)، )ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم( (الأعراف:11)، )وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة( (البقرة:30)، )فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29)( (الحجر).

ومن أوقع التعقيبات على الآيات، ما كتبه الشيخ محمد الغزالي في مدخل كتابه "حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام والأمم المتحدة"، وقال فيه: إن قدر الإنسان في نظر الإسلام رفيع، والمكانة المنشودة له تجعله سيدا في الأرض وفي السماء، ذلك أنه يحمل بين جنبيه نفخة من روح الله، وقبسا من نوره الأقدس.

وهذا النسب السماوي هو الذي رشح الإنسان ليكون خليفة عن الله في أرضه، وهو الذي جعل الملائكة، بل صنوف المخلوقات الأخرى، تعنو له وتعترف بتفوقه.

إن الآيات التي تمجد الإنسان وتعلي مرتبته فوق كل المخلوقات، تتناول الإنسان لذاته لا لاعتقاده، من حيث هو تكوين بشري، وقبل أن يصبح مسلما، أو نصرانيا، أو يهوديا، أو بوذيا، وقبل أن يصبح أبيض، أو أسود، أو أصفر.

وليس صحيحا على الإطلاق أن تلك الحفاوة القرآنية من نصيب المسلمين دون غيرهم كما يتصور بعض الواهمين، ذاك أن النصوص القرآنية شديدة الوضوح في هذه النقطة بالذات، فهي تارة تتحدث عن "الإنسان" وتارة تتحدث عن "بني آدم"، ومرات أخرى توجه الحديث إلى "الناس". وهذا التعميم لا تخفى دلالته على أي عقل منصف، ومدرك للغة الخطاب في القرآن الكريم، التي تستخدم موازين للتعبير غاية في الدقة، تحسب بها متى يكون الخطاب للإنسان وللناس بعامة، ومتى يوجه الكلام للمؤمنين والمسلمين قبل غيرهم.

إن الكرامة التي يقررها الإسلام للشخصية ليست كرامة مفردة، ولكنها كرامة مثلثة: كرامة هي عصمة وحماية، وكرامة هي عزة وسيادة، وكرامة هي استحقاق وجدارة.. كرامة يستغلها الإنسان من طبيعته: )ولقد كرمنا بني آدم( (الإسراء:70)، وكرامة تتغذى من عقيدته: )ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين( (المنافقون: 8) ، وكرامة يستوجبها بعمله وسيرته: )ولكل درجات مما عملوا( (الأحقاف:19)، )ويؤت كل ذي فضل فضله((هود:3).

أوسع هذه الكرامات وأعمها وأدومها، تلك الكرامة الأولى التي ينالها الفرد منذ ولادته، بل منذ تكوينه، بل منذ تكوينه جنينا في بطن أمه.. كرامة لم يؤد لها ثمنا ماديا ولا معنويا، ولكنها منحة السماء التي منحته فطرته والتي جعلت كرامته وإنسانيته صنوين مقترنين في شريعة الإسلام.

ما حقيقة تلك الكرامة؟.. إنها قبل كل شيء سياج من الصيانة والحصانة.

هي ظل ظليل ينشره قانون الإسلام على كل فرد من البشر: ذكرا أو أنثى، أبيض أو أسود، ضعيفا أو قويا، فقيرا أو غنيا، من أي ملة أو نحلة فرضت.. ظل ظليل ينشره قانون الإسلام على كل فرد يصون به دمه أن يسفك، وعرضه أن ينتهك، وماله أن يغتصب، ومسكنه أن يقتحم، ونسبه أن يبدل، ووطنه أن يخرج منه أو يزاحم عليه، وضميره أن يتحكم فيه قسرا، أو أن تعطل حريته خداعا ومكرا.

كل إنسان له في الإسلام قدسية الإنسان، إنه في حمى محمي وحرم محرم، ولا يزال كذلك حتى يهتك هو حرمة نفسه، وينزع بيده هذا الستر المضروب عليه، بارتكاب جريمة ترفع عنه جانبا من تلك الحصانة، وهو بعد ذلك بريء حتى تثبت جريمته، وهو بعد ثبوت جريمته لا يفقد حماية القانون كلها؛ لأن جنايته ستقدر بقدرها؛ ولأن عقوبته لن تجاوز حدها، فإن نزعت عنه الحجاب الذي مزقه هو، فلن تنزع عنه الحجب الأخرى.

بهذه الكرامة يحمي الإسلام أعداءه، كما يحمي أبناءه وأولياءه.. إنه يحمي أعداءه في حياتهم، ويحميهم بعد موتهم، يحميهم في حياتهم، فيحول دون قتالهم إلا إذا بدءوا بالعدوان، ويحميهم في ميدان القتال نفسه، إذ يؤمنهم من النهب والسلب، والغدر والاغتيال. ثم يحميهم بعد موتهم؛ إذ يحرم أجسادهم على كل تشويه أو تمثيل ولم لا؟ أليسوا أناسي؟فلهم إذن كرامة الإنسان.

هذه الكرامة التي كرم الله بها الإنسانية في كل فرد من أفرادها، هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين بني آدم".

أليست نفسا؟

هذه الحقيقة الكبرى في التصور الإسلامي، كانت لها أصداؤها، في عديد من النصوص والشواهد، ففي ظلها تفهم أبعاد البيان الإلهي في سورة المائدة: )من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا( (المائدة:32).

وهو تصور بالغ القوة في الدلالة على بشاعة جريمة قتل الإنسان ظلما بغير حق؛ إذ هي في هذا النص ليست عدوانا على الفرد فقط، ولا عدوانا على المجتمع، كما تنص القوانين الجزائية أو الجنائية الوضعية، ولكنها شيء أكبر وأفدح: إنها عند الله - عز وجل - عدوان على الناس جميعا، على الجنس البشري بأسره! إن النص القرآني هنا يتحدث عن "النفس الإنسانية" وعن "الناس"، دون تفرقة بين لون وجنس وملة؛ "لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس"، كما يقول ابن كثير، فضلا عن أن الآية "تعلمنا ما يجب من وحدة البشر، وحرص كل منهم على حياة الجميع، واتقائه ضرر كل فرد؛ لأن انتهاك حرمة الفرد انتهاك لحرمة الجميع. والقيام بحق الفرد من حيث إنه عضو من النوع، وما قرر له من حقوق المساواة في الشرع، قيام بحق الجميع"، كما يقول الشيخ رشيد رضا.

وفي ظل تلك الحقيقة الكبرى نفهم قول النبي - عليه السلام - فيما ذكره عنه هشام بن حكيم: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا». [2] فالعدوان على كرامة الإنسان هنا لا يكفي فيه العقاب الدنيوي - إن وجد - وإنما تلك وصمة تلاحق المعتدي في الآخرة، حيث يلقى جزاءه عند الله - عز وجل - أيضا في الآخرة.

وفي ظلها أيضا نقرأ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام من مجلسه احتراما لجثمان ميت مر أمامه وسط جنازة سائرة، فقام من كان قاعدا معه، ثم قيل له فيما يشبه التنبيه ولفت النظر: إنها جنازة يهودي؟ عندئذ جاء رد النبي - صلى الله عليه وسلم - واضحا وحاسما: «أليست نفسا»[3]؟

ومن هذا المنطق كان عقاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لابن واليه على مصر عمرو بن العاص، عندما ضرب ابنه صبيا قبطيا، فأصر عمر على أن يقتص الصبي القبطي من ابن عمرو بن العاص، قائلا له: اضرب ابن الأكرمين!! ثم وجه قوله إلى القائد المسلم قائلا: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا[4].

وقد استحضر الإمام علي بن أبي طالب تلك المعاني في كتابه إلى مالك الأشتر، حين ولاه مصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر، عندما قال: "وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم.. فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".

ومن هذا الشعور العميق بقيمة الإنسان، فإن الإمام أبا حنيفة أفتى بعدم جواز الحجر على السفيه؛ لأن في هذا الحجر إهدارا لآدميته، ولما كان الضرر الذي يصيب إنسانيته من جراء هذا الحجر أكبر من الضرر المادي الذي يترتب على سوء تصرفه في أموالهم، فإنه لا يجوز دفع ضرر بأعظم منه، ولا يجوز - في رأيه - الحجر عليه، إذ المساس بالمال محتمل وإن أضر، لكن المساس بقيمة الإنسان غير مقبول وغير محتمل، وإن أفاد.

هكذا تظل قيمة الإنسان واحدة من الثوابت الأساسية في التفكير الإسلامي، التي لا تقبل الانتقاص بأي قدر، وإن قبلت الإضافة إلى أبعد مدى. ويظل أي انتهاك لهذه القيمة بمثابة تصادم وتناقض مباشرين مع دعامة أساسية في التصور الإسلامي بنصه وروحه.

نداءات إلى كل البشر:

لكن النصوص الإسلامية لم تكتف بالتأكيد على القيمة المطلقة للإنسان، ولكنها أقامت انطلاقا من تلك الحقيقة الكبرى، ذلك الكم من الجسور الذي يفتح الطريق واسعا لإخوة بني الإنسان، من أجل بناء حياة تملؤها المودة والرحمة.

فثمة نصوص مباشرة في هذا المعنى خاطبت كافة خلق الله، من كل جنس ولون وملة؛ منها قوله تعالى: )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13)( (الحجرات)، وقوله تعالى: )يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها( (النساء)، وقوله تعالى: )ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28)((لقمان).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر - فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب»[5].

إن هذه النصوص تذكر بالأصل الواحد لبني الإنسان، وتنبه إلى أن ثمة حكمة إلهية في اختلاف الخلق شكلا وموضوعا، مؤكدة أنه ليس في هذه الدنيا إنسان بطبيعته أفضل من إنسان؛ إذ الكل من نفس واحدة، أبوهم آدم وأمهم حواء. والتفاضل أمام الله - عز وجل - له معيار واحد هو: التقوى والإيمان والعمل الصالح.

وثمة نصوص أخرى في السياق ذاته تخاطب أصحاب الأديان الذين يؤمنون بالله سبحانه وتعالى)إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)( (البقرة)، وقال تعالى: )إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69)( (المائدة) [6].

وعلى صعيد ثالث - في ذات الاتجاه - تخاطب المسلمين مجموعة أخرى من النصوص، مذكرة ومنبهة:)قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136)( (البقرة)، وقال عز وجل:)شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه( (الشورى:13)، وقال عز وجل)والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152)( (النساء)، وقال عز وجل)آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير (285)( (البقرة).

هنا تفتح الآيات باب التلاقي بين المسلمين وغيرهم، معلنة أن المسلمين مؤمنون بكل الأنبياء، والرسل، وأن جوهر الرسالات السماوية واحد في غير تعارض أو تنافر.

وعلى صعيد رابع تخاطب النصوص محمدا - صلى الله عليه وسلم - معززة معاني وحدة الأديان، وبشرية الرسالة، وهدف البعثة الأكبر، قال تعالى: )ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43)( (فصلت)، وقال تعالى: )قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا( (الأعراف:158)، وقال تعالى: )وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا( (سبأ: ٢٨)، وقال تعالى: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)( (الأنبياء).

هذه النصوص في مجموعها تقيم في حقيقة الأمر عديدا من نقط اللقاء بين المسلمين والآخرين، وتشق جسورا تسع كل جهد مخلص من أجل إقامة عالم يحفظ للإنسان كرامته وسعادته ورخاءه" [7].

مبدأ المساواة - اللاعنصرية - من المنظور الإسلامي:

الإسلام هو الدين الخاتم لرسالات السماء، وقد صار له بهذا امتياز على الأديان التي تقدمته؛ لأن للأخير من كل شيء ميزة ليست لما تقدمه، وقد صرح القرآن الكريم بأن محمدا رسول الإسلام آخر المرسلين، وأنه أرسل للناس أجمعين، قال تعالى: )ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما (40)( (الأحزاب)، وقال تعالى: )وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28)( (سبأ). وهذا ما لم تدعه الكتب السابقة ولا أنبياؤها، فقد أرسل موسى وعيسى - عليهما السلام - مثلا لبني إسرائيل.

ولما كان الإسلام دينا عاما شرعه الخالق لهداية الشعوب جميعها أبيضها، وأصفرها، وأحمرها، وأسودها، فقد محا امتيازات الأجناس والعناصر، وحارب العصبيات، وقرر مبدأ المساواة العامة.

وحول هذا الموضوع خصص الأستاذ رجائي عطية مبحثا بعنوان "دوحة المساواة في الإسلام" في كتابه "عالمية الإسلام"، ومما جاء فيه: "تنتمي حقوق الإنسان في الإسلام، وفي مقدمتها مبدأ "المساواة" إلى شجرة باسقة في دوحة ظليلة، تمثل ركنا ركينا من أركان هذه الدعوة العالمية التي أراد لها الله ألا تكون محدودة بمكان أو مقصورة على أقوام، أو مطوية في زمن واحد من الأزمان، عالمية الإسلام، تعني أنه دين العالمين من يوم نزلت الرسالة، وإلى يوم الدين، لا تحده أرض، ولا ينقضي بزمن، ولا يستأثر أو يختص به قوم دون أقوام، ولا جيل دون أجيال. هذا الاتساع الكوني للدعوة، جعلها تطوي في حناياها كل الرسالات، وأوجب أن تتسع لكل الناس.

هذه الدعوة يتجه خطابها إلى الناس كافة، أمس، واليوم، وغدا، على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وظروفهم وأحوالهم.

وتنوع الخلق لا حدود له، وتفاوتهم - من ثم - تفاوت واقع حادث لا حد لأشكاله ولا موقف لسننه، خطاب الدعوة العالمية يتجه إلى معمورات وحضارات، وإلى فيافي وصحاري وقفار، إلى بقاع باردة وأخرى حارة، إلى أرض غنية وأخرى بلقع، يتجه إلى الذكور وإلى الإناث، إلى الشيوخ والكهول، وإلى الشباب والأطفال، إلى المرضى وإلى الأصحاء، إلى الفقراء وإلى الأغنياء، إلى الضعفاء وإلى الأقوياء، وتفاوت هؤلاء وأولاء حقيقة كونية، فكيف تكون بينهم "مساواة" وكيف يلتئم هؤلاء جميعا، رغم هذه الاختلافات الهائلة والتفاوت الحتمي، الخلقي والمكتسب؟ كيف يلتئمون جميعا في شجرة واحدة عمودها "المساواة"؟!

لقد استطاع الإسلام، هذه الدعوة العالمية، أن تحل هذه المعضلة، فتتعامل مع واقع الاختلاف والتفاوت، ولا تنزع عن الآدمي - في الوقت نفسه - إحساسه بالانتماء، وعلى قدم المساواة، إلى هذه الشجرة الإنسانية التي عمادها الإخاء والحرية والمساواة! الناس متفاوتون - ولا بد أن يتفاوتوا.. فلم ينكر القرآن ذلك.

بيد أن هذا التفاوت الذي يشير إليه القرآن لا يحظى من القرآن بصك أو موافقة أو دعم، أو تأييد تقوم به العلاقات، أو تجري التمييزات بين الناس، أو يصنفون به إلى طبقات، فأنت تلحظ أن القرآن المجيد لم يستخدم بتاتا لفظ طبقة أو طبقات، وإنما حرص على أن يحدد العبارة في لفظ (درجة) أو (درجات)، فلا طبقات ولا تمايز في الإسلام بين طبقة وأخرى، أو بين عرق وأعراق، أو بين جنس وأجناس، أو بين عصبيات، أو بين أغنياء وفقراء، أو بين أقوياء وضعفاء.

وإنما هي شجرة واحدة لأسرة واحدة يجمعها رباط واحد، لا فرق فيه بين إنسان وآخر، وليس أجزى للإنسان - حيث كان - من دين يطوي الناس في أسرة إنسانية واحدة لا تفاضل بين أفرادها إلا بالعمل، لا بالحسب ولا بالنسب ولا بالأعراق ولا بالأموال: )إن أكرمكم عند الله أتقاكم( (الحجرات: 13)، حين ترد المفاضلة إلى هذا الميزان، فإنها تجمع بين العدل وبين الحكمة جميعا، فلا تخذل النشط العالم الساعي المجاهد التقي الورع، ولا تغلق في الوقت نفسه أبواب الرجاء أمام غيره، وإنما تبقي الباب مفتوحا، وفي إطار الأخوة التي تحدث عنها القرآن، لارتياد سبل التنافس والتباري على نيل المكانة، التي معيارها الوحيد التقوى والعمل الصالح: )وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26)( (المطففين).

هذه المساواة التي رفعها الإسلام، كانت أول ما شق على الأرستقراطية[8] القرشية والعصبية الجاهلية المخلوطة بالثراء والمكانة. كان أعظم ما استهولته قريش وكبارها أن يجمع النبي - عليه السلام - في مجلس واحد بينهم على ثرائهم وشرف أنسابهم وكريم محتدهم، وبين الفقراء والعبيد والمستضعفين، فيتقدم رءوس القرشيين إلى النبي - عليه السلام - معارضين طامعين في حل، كيف يجلس إليه، ويريدهم معهم، أمثال بلال الحبشي، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان، والعبيد وعامة الناس، يريدون منه أن يطردهم وينحيهم عنه، أو يخصص لهم يوما وللقرشيين آخر، رعاية لحسبهم ومنزلتهم وأعراقهم وجاههم، فيأبى عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يريدون، ويتنزل في ذلك من الذكر الحكيم ما يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - تأكيدا لما قاله لهم: )ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52)( (الأنعام).

على سنته في المساواة جرى خلفاؤه الراشدون.. من فرط احتياط عمر بن الخطاب وتحرجه هاله أن امرأة استدعاها فهابته، ومن شدة هيبتها ألقت ما في بطنها، فأجهضت به جنينا ميتا. استفتى عمر الصحابة مخافة أن يكون مسئولا عما ألم بها، فقالوا له: لا شيء عليك. بيد أن الفاروق أشاح عن فتواهم وأخذ برأي علي بن أبي طالب أن يعتق رقبة احتياطا، وتعبيرا زائدا عن المساواة التامة بين الحاكم والمحكوم أمام القانون.

ولا يستبعد الإسلام من واحة المساواة أهل الذمة الذين يقيمون في دار الإسلام. فهم أحرار في عقائدهم وفي إقامة شعائرهم، وفي ممارسة نشاطهم، وفي ولاية الوظائف، ولهم أيضا نصيبهم في بيت المال، ويتمتعون بمظلته التي تقيهم العوز والحاجة.

جاء عن عمر الفاروق - رضي الله عنه - أنه صادف شيخا يهوديا ضريرا يتكفف الناس، فأخذه بيده إلى بيت المال يقول لعامله عليه: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم.

هذه الواحة الوارفة للمساواة في الإسلام معلم أساسي من معالم عالميته التي تتسع لكافة الناس جميعا على امتداد المكان والزمان.

الأديان المتجهة إلى أقوام بعينهم أديان مغلقة لا تعطي للآدمي ما يعطيه الإسلام من إحساس عميق بآدميته وبانتمائه والناس طرا إلى أصل واحد، وانضوائه وإياهم في أسرة واحدة، لا يتمايز فيها أحد بجنسه أو عرقه، أو لونه، أو حسبه، أو نسبه، أو عمله، أو منصبه، أو جاهه، أو ماله، أو ثرائه.

هذه المساواة هي رسالة الإسلام إلى الدنيا وإلى الناس كافة، أنهم في ظل دوحته الوارفة، يلتئمون جميعا في شجرة واحدة عمودها المساواة، وأنهم في رحاب هذا الدين العالمي ينتمون إلى شجرة الإنسانية التي يتساوي فيها الجميع في رحاب الله، وفي إطار دعوته العالمية إلى الناس كافة، وعمادها الإخاء والحرية والمساواة" [9].

ويقول د. محمد خليفة حسن (وهو أستاذ متخصص في الدراسات العبرية): "إن حياة اليهود في الدولة الإسلامية وصلت إلى درجة من الازدهار والتقدم دفعت بعض المؤرخين اليهود إلى اعتبار حياتهم في الدولة الإسلامية، تمثل العصر الذهبي في التاريخ اليهودي؛ ففي ظل التسامح الإسلامي تمتع اليهود بكل الحقوق الدينية والمدنية وحققوا مكانة اجتماعية، واقتصادية عظيمة، وتولوا المناصب المهمة، ومنها منصب الوزارة، وبزغ من بينهم رجال علماء، وأطباء، وفلاسفة، وفقهاء تعلموا على يد العلماء المسلمين، وارتفعوا بشأن قومهم، وأداروا شئون حياتهم في ظل رعاية إسلامية شرعية، باعتبارهم أهل ذمة وأهل كتاب"[10].

وعندما لاحظ آدم متز العمال والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الإسلامية منذ عصورها المبكرة كان تعليقه هو: "وكأن النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلادهم"، وظل يعدد المناصب والإدارات التي ارتقاها النصارى في ظل الدولة الإسلامية إلى أن قال:

"…. وقد ظلت دواوين الحكومة، وخاصة ديوان الخراج، مدة طويلة مكتظة بالمسيحيين والفرس، وظلت الحال في مصر على هذا النحو حتى زمن متأخر جدا حيث كان السواد الأعظم من المسيحيين يحتكرون أمثال هذه المناصب احتكارا يكاد يكون تاما"[11].

غير أن ما ينبغي أن يستوقفنا في هذا السياق حقا هو تلك الشهادة التي سجلها الأستاذ ادمون رباط في بحثه المهم " المسيحيون في الشرق قبل الإسلام"، وفيها يقول: "إنه للمرة الأولى في التاريخ انطلقت دولة هي دينية… إلى الإقرار في الوقت ذاته بأن من حق الشعوب الخاضعة لسلطانها أن تحافظ على معتقداتها وتقاليدها وطراز حياتها وذلك في زمن كان يقضي المبدأ السائد بإكراه الرعايا على اعتناق دين ملوكهم"[12].

ثالثا. في المجتمعات الإسلامية تصان حرية الأقلية في ضوء احترام قيم ومشاعر الأكثرية:

إذا كان الإسلام بشريعته الخالدة قد أقر المساواة، وأعلن مبادئها، فهل يحق لهؤلاء الزاعمين أن يطلبوا المساواة في المجتمعات الإسلامية - أي ذات الأغلبية المسلمة - مع المسلمين في كل شيء حتى في الأمور التي تخص الأغلبية المسلمة أو يتهم هؤلاء المغرضون الإسلام بالتعصب والمسلمين بالعنصرية؟!

تحت عنوان "مساواة نعم.. وتفرقة أيضا" يقول الأستاذ فهمي هويدي:

"هل يقبل أن يرأس شخص مسلم دولة أغلبيتها غير مسلمة؟

هل يقبل أن تتصدر مساجد المسلمين الواجهات والميادين الرئيسة في مدينة مسيحية الطباع والملة؟

هل يقبل أن يؤذن جماعة من المسلمين للصلاة عبر مكبر للصوت خمس مرات كل يوم في مجتمع أوربي غير مسلم؟

حتى إذا أجاز القانون هذه الخطوة أو تلك، فمن المؤكد أنها جميعا تؤذي مشاعر الأغلبية غير المسلمة، بحيث يصبح من العقل والذوق، وربما المصلحة أيضا، أن نجيب على الأسئلة بالنفي.

ذلك أن هناك ميزانا يجب أن يراعى ضبطه بإحكام في علاقة الأغلبية بالأقلية، يقوم أساسا على مراعاة النظام العام للمجتمع، وذوقه ومشاعره العامة، وللعمومية المعنية هنا درجتان: "عام" يهم المجتمع بأسره "وعام" يتمثل في قيم الأغلبية وقوانينها الخاصة، المستمدة سواء من عقيدتها أو من تقاليدها وأعرافها. وهو محور اهتمامنا هنا.

وهذا المنطق يسلم ابتداء بالتزام الأغلبية بواجب احترام مشاعر الأقلية، وهو الاحترام الذي عبر عنه - مثلا - الخليفة عمر بن الخطاب في كتابه إلى سعد بن أبي وقاص، وفيه يقول: "… ونح منازلهم - جنود المسلمين - عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا يرزأ - يتقاضى - أحد من أهلها شيئا؛ فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها، كما ابتلوا بالصبر عليها، فما صبروا لكم ففوا - أوفوا - لهم"!

إن أمير المؤمنين عمر هنا ينطلق من مشاعر غاية في التسامي والشفافية، ولو عسكر جنود المسلمين وسط قرى غير المسلمين لربما مارسوا حقا، وما وجدوا اعتراضا، إذ لهم الغلبة والكلمة. ولكنه تجاوز تلك الحدود، وأملي كتابه الذي يقوم أساسا على قاعدة من الاحترام والمبالغة في مراعاة الشعور والذوق الرفيع. فنهى عن استقرار جند المسلمين وسط تجمعات غير المسلمين؛ حتى لا يكون في ذلك إيذاء لمشاعرهم ومساس بحرمتهم!

إن احترام قيم ومشاعر الأغلبية لا يعني بالضرورة انتقاصا من حقوق الأقلية، وينبغي ألا يكون على حسابها في كل ما هو جوهري وأساسي؛ لأن الشرط المفترض هنا أن تكون حقوق الأقلية مصونة، غير مهدورة بأي صورة من الصور، ولكننا - كما نفهم في القانون - نشدد على أن هناك حدودا للحق، هي في حالتنا هذه النظام العام والشعور، أو الذوق العام للأغلبية، وأي تجاوز لهذه الحدود، يدفع بالممارسة إلى نقطة أبعد مما ينبغي، تدخل في إطار يسمى بإساءة استخدام الحق.

فكما أن هناك حدودا لممارسة الحرية، فإن هناك حدودا لاستخدام الحق.

والحفاظ على ذلك الميزان - بغير إخلال - أمر شديد الأهمية، بل هو الضمان الوحيد لاستقرار أي مجتمع تتعدد فيه الملل والنحل، دينية كانت أم سياسية أم عرقية.

وإذا كان أي عدوان من جانب الأغلبية على الحقوق الأساسية، يهدد هذا الاستقرار، فإن شبح التهديد يظل قائما إذا ما تجاوزت الأقلية حدود ما أسميناه النظام العام والشعور العام، أو نازعت الأغلبية حقوقها المشروعة بدعوى المساواة.

وعلى مدار التاريخ الإسلامي، فإن أكثر الظواهر السلبية التي شابت علاقة المسلمين بغيرهم، لم تكن ناشئة فقط عن اعتداء الأغلبية على حقوق الأقلية، لأي سبب كان، ولكن تلك الظواهر السلبية نشأت أيضا إما عن سوء استخدام للحق مارسته الأقلية، أو إحساس سرى بين تلك الأقلية - تحديدا في حالات الضعف أو الانكسار - دفعها إلى محاولة قلب الميزان والتصرف بمنطق الأغلبية.

خصوصا وأن الطامعين في الدولة الإسلامية - من الروم في القرن السابع الميلادي، إلى الفرنسيين في القرن الثامن عشر، والإنجليز في القرن التاسع عشر، ومن بعدهم الأمريكان في هذا القرن، مرورا بالصليبيين في القرن العاشر، والتتار في القرن الثالث عشرـ لم يكفوا عن محاولة استمالة الأقلية ومحاولة النفاذ إلى قلوب بعض فصائلها، من باب مداعبة أحلام منازعة الأغلبية حقها، والإخلال بذلك الميزان الواجب الإحكام.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الخبرة السياسية والوهم الكبير

كتبها أبو عبد الله السيد المنصورى ، في 6 ديسمبر 2011 الساعة: 13:11 م

 كتبه/ وليد شكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكثيرًا ما نسمع هذه الأيام كلمة أن تيارًا معينًا له خبرة سياسية، أما باقي التيارات فينبغي عليها أن تتبعه؛ لأنها تيارات ليس عندها خبرة سياسية!

وعند التأمل تجد أن اختصاص هذا الاتجاه أو ذاك في مصر بالخبرة السياسية نوع من الوهم الكبير الذي توهمه البعض فصدقه، ومِن ثمَّ حاول أن يقنع به الآخرين.

ويتبين ذلك مِن عدة أمور:

- منها: أن الحزب الوحيد الذي مارس السياسة في مصر خلال العقود الثلاثة كان هو "الحزب الوطني"، واحتكرها لنفسه ولم يسمح لغيره بممارستها فعليًا، وأما باقي الأحزاب والتيارات المعارضة فقد مورس بحقها الاضطهاد السياسي، ولم تمارس هي السياسة حتى تدعي اليوم أنها صاحبة الخبرة السياسية!

ومع ذلك نقول: إن أصحاب الخبرة السياسية الفعليين -وهم قيادات الحزب الوطني- رأينا أين ذهبت بنا خبرتهم السياسية وعقولهم الدبلوماسية.. لم نستفد من هذه الخبرة إلا الفقر والحرمان، والظلم والعدوان، وتقزيم دور مصر بين الأمم، وكنا نُتهم منهم بنفس الاتهام: أننا نعيش في ظلام التخلف؛ أما هم فيدركون من أساليب السياسة، وخيوط الدبلوماسية ما يستطيعون من خلاله تصريف شؤون البلاد والعباد! وقد ثبت عكس ذلك بعين اليقين.

- ومنها: أن كل أحد يستطيع أن يدعي ما يشاء ما دام لا يطالب بدليل على قوله.

ونحن نقول: إنه من المنطقي جدًا أن تكون هناك معايير معينة لقياس هذه الخبرة السياسية، وألا تكون مجرد ادعاء، وعندما تبحث عن هذه المعايير تجد أن التيارات الإسلامية قد تساوت فيها أو تكاد بدرجة لا تجعل من حق أحد أن يدعي لنفسه خبرة ليست لغيره من التيارات.

فإن كان معيار الخبرة السياسية هي القدرة على إنشاء الأحزاب؛ فقد أنشأنا.

وإن كان بالقدرة على حشد للمليونيات؛ فقد حشدنا.

وإن كان بالقدرة على عقد المؤتمرات؛ فقد عقدنا.

وإن كان بالقدرة على تكوين المجالس الإدارية في المراكز والمحافظات؛ فقد شكلنا.

وإن كان بالقدرة على التأثير في الشارع في الأمور العامة: كالاستفتاء مثلاً؛ فقد أثرنا.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أثر الفتح الإسلامي على أوضاع الأقباط

كتبها أبو عبد الله السيد المنصورى ، في 8 أكتوبر 2011 الساعة: 16:24 م

 قصة الإسلام

الأثر الديني

أثر الفت الإسلامي على أوضاع الأقباطتعرض الأقباط في مصر قبل الفتح الإسلامي لاضطهادٍ قاسٍ على أيدي البيزنطيين، ومن ثَمَّ رأوا في القوة الإسلامية الداخلة الأمل بالخلاص مما هم فيه، فساندوها، ورحبوا بدخول المسلمين أرض مصر، لكن هذه المساندة كانت صامتة في بادئ الأمر، أي حيادية.

 

وشكلت انتصارات المسلمين وإخضاعهم البلاد نصرًا دينيًّا للأقباط، حيث غادر البلاد عدد كبير من البيزنطيين، ولما استقرت الأوضاع، وكانت أخبار العهدة العمرية الخاصة ببيت المقدس قد تسربت إلى مصر، لقي الأقباط من الحكم الجديد ما شعروا معه بكثير من الحرية.

 

ولعل أول عمل قام به عمرو بن العاص t بعد استقرار الأوضاع الداخلية، الإعلان بين الناس جميعًا أن لا إكراه في الدين، وأن حرية العقيدة أمر مقدس، فلن يتعرض لأحد في حريته أو ماله بسبب دينه أو مذهبه، وخيَّرهم بين الدخول في الإسلام والبقاء على دينهم، فمن يدخل في الإسلام يكون له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.

 

والواقع أن عَمْرًا انتهج سياسة المساواة الدينية بين المذهبين النصرانيين اللذين استمرا في مصر، وتذكر روايات المصادر أن كثيرًا من كنائس الملكانيين فضلوا البقاء في مصر، وأن أسقفًا ملكانيًّا بقي على مذهبه حتى مات ولم يمسه أحد بأذى، وأن البطريرك القبطي بنيامين الذي عاد إلى الإسكندرية بعد أن قضى ثلاثة عشر عامًا لاجئًا متخفيًا خشية أن يُقبَض عليه، أُعِيد إلى مركزه، وأضحى بإمكانه أن يقوم بواجباته الدينية وهو مطمئن، وكان يستقطب الناس إلى مذهبه بالحجة والإقناع، واستطاع أن يحصل على بعض الكنائس التي تركها الملكانيون بعد خروجهم وضمها إلى كنائس البطريركية، ولما عاد إلى الإسكندرية قال لأتباعه: "عدت إلى بلدي الإسكندرية، فوجدت بها أمنًا من الخوف، واطمئنانًا بعد البلاء، وقد صرف الله عنا اضطهاد الكفرة وبأسهم".

 

فكان من أثر الحرية الدينية والمعاملة السمحة أن أقبل كثير من الأقباط على النظر في المذاهب المختلفة، ثم انتهى أكثر هؤلاء إلى قبول الإسلام والدخول فيه.

 

الأثر الإداري

خلت بخروج البيزنطيين بعض الوظائف الحكومية التي كان يشغلها هؤلاء، ولأن المسلمين لم يكن لهم عهد بعدُ بالشئون الإدارية، وكان يهمهم أن تستمر الإدارة في العمل، وأن تجمع الضرائب، بغض النظر عما يختص بالعاملين في الحقل الوظيفي، فقد فتحوا أبواب العمل أمام القادرين والراغبين من الأقباط.

 

والمعروف أن الإدارة الإسلامية الجديدة احتفظت بثلاثة موظفين بيزنطيين في مراكز إدارية كبيرة هي حاكمية مصر السفلى وتولاها ميناس، وحاكمية منطقة الفيوم وتولاها فيلوخينوس، وحاكمية الريف الغربي وتولاها سينوتيوس.

 

وبفعل هيمنة الموظفين الأقباط على العمل الإداري، أضحت اللغة القبطية اللغة الرئيسية في الإدارة، فحلَّت بذلك محل اللغة اليونانية، وحافظ المسلمون على الأساليب البيزنطية في تدوين الدواوين وجمع الضرائب، فانتعشت الثقافة القبطية مجددًا، وأخذت تملأ الفراغ الذي نتج عن الخروج البيزنطي، واعتنى الأقباط بتعلم اللغة العربية؛ لأنها كانت لغة الفاتحين، واحتفظ المسلمون بقيادة الجند والقضاء.

 

الأثر الاقتصادي

كانت مصر تتعرض بين سنة وأخرى لضائقة اقتصادية ناتجة عن انخفاض ماء النيل، مما يسبب خللاً في المعادلة الاقتصادية، قد عانى المصريون كثيرًا من هذه الظاهرة، وقد أدرك عمرو بن العاص t

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من يحمل هم الإسلام؟

كتبها أبو عبد الله السيد المنصورى ، في 24 سبتمبر 2011 الساعة: 14:18 م

 كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض من الخطبة:

استنفار الهمم للعمل لدين الله في هذه المرحلة الحرجة من عمر الأمة، لا سيما وأننا نواجه عدوًّا يريد أن يعبث بهوية الأمة الإسلامية.

المقدمة:

- بيان خطورة المرحلة، واشتداد أهل الباطل "العلمانيين - الليبراليين - غيرهم.. "، في سبيل باطلهم، في الوقت الذي لا يزال كثير من إخواننا خاملون نائمون مقصرون في العمل لنصرة الحق(1).

- كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يتألم من ذلك ويأسى قائلاً: "عجبت لجلد الفاجر، وعجز الثقة".

- وكان يهتم بأمور الدين كلها، ولا يستصغر أو يقلل من شأن بعضها، و"كان عمر -رضي الله عنه- يأخذ الطلاء وينزل تحت البعير الأجرب يطليه، ويقول: إني أخشى أن أسأل عنك يوم القيامة"، "وكان يمر بالراعي في السفر في الأرض الجدبة، فينزل عن ركبه وينادي: يا راعي الغنم، ارع في أرض كذا فإنها أخصب"(2).

1- هم العمل للدين دليل الانتماء:

- أول تكليف في الإسلام: العمل للإسلام: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ(المدثر:1-2).

- انتساب بلا عمل مخالف لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(يوسف:108).

- السلف خير من فهم القضية، الصِّدِّيق يحمل هم الدين من أول يوم، فيسلم على يديه ستة من العشرة المبشرين.

- حملوا الدين إلى كل مكان، ففي حديث الأعرابي الذي جاء يسأل: "يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ" (رواه مسلم).

- أمم أسلمت بعملهم وحملهم هم الدين: "قصة إسلام أبي ذر وقبيلته - قصة إسلام الطفيل بن عمرو وقبيلته".

2- هم الدين أهم قضية عند الصادقين:

إن أشد ما يحزن قلوب الصادقين ضياع أو فساد شيء من الدين "قائمة اهتمامات أولها: الدين".

- النبي -صلى الله عليه وسلم- يحزن ويكاد يموت همًّا، قال -تعالى-: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا(الكهف:6).

- موسى -عليه السلام- يبكي.. فهل بكيت يومًا؛ لقلة عملك في الإسلام؟ ففي حديث الإسراء: (أَبْكِي لأَنَّ غُلامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي(متفق عليه).

- يبذلون ما يملكون حتى لا ينقص الدين، موقف أبي بكر -رضي الله عنه- مع المرتدين ومانعي الزكاة: "وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ" (متفق عليه)، وقال: "أينقص الدين وأنا حي؟!".

- يحزنون لتخلفهم عن الخير بسبب عجزهم، قال -جل وعلا-: (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ(التوبة:92).

3- الهروب من العمل للدين سلوك أهل النفاق والكذابين:

- كثرة الكلام وقلة الأفعال، قال -عز وجل-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(البقرة:246).

- كثرة الاعتذارات هروبًا، قال -تبارك وتعالى-: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا(الأحزاب:13)(3).

- اختلاق المشاكل للهروب، قال -جل وعلا-: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ(آل عمران:166-167).

4- شبهات عند بعض المقصرين:

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عندما ينظر النصارى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بعين العقل

كتبها أبو عبد الله السيد المنصورى ، في 21 سبتمبر 2011 الساعة: 12:41 م

 كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله –صلى الله عليه وسلم ، ثم أما بعد:

فقد نشرت صحيفة الأهرام المصرية بتاريخ 6 مارس 1985م، عن "البابا شنودة" ما يلي: "إنَّ الأقباط في ظل حكم الشريعة يكونون أسعد حالاً وأكثر أمنًا، ولقد كانوا كذلك في الماضي، حينما كان حكم الشريعة هو السائد.. نحن نتوق إلى أن نعيش في ظل: لهم ما لنا، وعليهم ما علينا(1).

إنَّ مصر تجلب القوانين مِن الخارج حتى الآن، وتطبقها علينا، ونحن ليس عندنا مثل ما في الإسلام مِن قوانين مفصَّلة؛ فكيف نرضى بالقوانين المجلوبة، ولا نرضى بقوانين الإسلام؟!" اهـ (انظر "سماحة الإسلام" د/ عمر عبد العزيز).

وليس هذا هو قول بابا الأرثوذكس وحده، وإنما قول ممثلي الطوائف الأخرى، فقد نشرت جريدة الدعوة المصرية سنة 1977م بحثًا ميدانيًا لممثلي الطوائف المسيحية (النصرانية) في مصر تحت عنوان: "المسيحيون في مصر والحكم بشرع الله".

وقد وجهت المجلة سؤالين محددين:-

الأول: إذا كان الإسلام والمسيحية ملتقيين في تحريم الزنا -مثلاً- ومحاربته، فهل عندكم مانع في تطبيق حد الزنا وبقية الحدود الإسلامية الأخرى على مَن استوجب إقامتها عليه في المجتمع المصري؟ وهل ترى في تطبيقها ما يمس حقوق المسيحيين أو يضايقهم؟

الثاني: مِن خلال دراستكم للتاريخ، ماذا ترون في حكم الإسلام بالنسبة للأقليات مِن ناحية العبادة والأموال والأعراض؟

فأجاب الكاردينال إسطفانوس بطريرك الأقباط الكاثوليك: "الأديان السماوية تشير إلى تحريم القتل أو الزنا، وتدعو إلى المحبة والمودة، فالقتل والزنا والسرقة إلى آخر المنكرات ضد المحبة؛ لأنَّ الله خلق الإنسان ليكون مستقيمًا غير منحرف، ويستفيد من التعاليم الإلهية، ولذلك فالذي يشذ عن نظام الله وتعاليمه بعد أن تُكفَّل له أسباب العيش ومستلزماته يجب أن تطبق عليه حدود شريعة الله؛ ليرتدع ويكون عبرة لغيره، وحتى لا تعم الفوضى عندما يقتل أحدٌ أخاه ولا يُقتل، أو يسرق ولا تُقطع يده، أو يزني ولا يُقام عليه حد الزنا، وهذا ما وجدناه في القوانين الوضعية التي تجامل الناس، وتلتمس لهم مختلف الأعذار مما جعل المجتمع غير آمن على نفسه أو ماله أو عِرضه، وأعود فأكرر: إن تطبيق حدود الشريعة الإسلامية ضروري على الشخص وعلى المجتمع حتى تستقيم الأمور، وينصلح حال الناس، وليس في تطبيقها -أبداً- ما يمس حقوق المسيحيين أو يضايقهم!".

ويقول أيضًا: "لقد وجدت الديانات الأخرى -والمسيحية بالذات- في كل العصور التي كان الحكم الإسلامي فيها قائمًا بصورته الصادقة، ما لم تلقه في ظل أي نظام آخر من حيث الأمان والاطمئنان في دينها ومالها، وعرضها وحريتها!".

ويقول القس "برسوم شحاتة" وكيل الطائفة الإنجيلية في مصر ما يلي: "في كل عهد أو حكم إسلامي التزم المسلمون فيه بمبادئ الدين الإسلامي كانوا يشملون رعاياهم مِن غي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- في التعامل مع الشباب

كتبها أبو عبد الله السيد المنصورى ، في 18 سبتمبر 2011 الساعة: 18:52 م

 

كتبه/ ياسر عبد التواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس خلقًا -بأبي هو وأمي-، يعامل الناس جميعًا معاملة طيبة رقيقة، وكيف لا يكون كذلك وهو الذي أرسله الله -تعالى- رحمة للعالمين، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، ومن هذه الحقيقة يمكننا أن ندرك عناية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأهم مرحلة يمر بها الإنسان "مرحلة الشباب".

فكان -صلى الله عليه وسلم- يدرك طبيعة الشباب؛ فيوجههم ويرشدهم بما يتناسب مع قدراتهم، ويشجعهم ويسند إليهم من المهام ما يسمو بهممهم، ويقوي نفوسهم.

والمتأمل في سيرته -صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع الشبيبة ينتبه لأمر مهم، وهو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يرفق بالشباب، ويدرك طبيعة تفكيرهم، وفي الوقت نفسه يستخرج مواهبهم ويستفيد من طاقاتهم، ويرشدها فيما ينفعهم، وينفع أمتهم كما أنه يوجههم بصورة مباشرة، كل ذلك في تكامل رائع يكشف عن عظمة شخص النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعظيم قدراته التربوية.

فليست تربية الشباب كما يظنها البعض اليوم بأن على المربي أن يكتفي بالتوجيه غير المباشر دون تدخل أو توجيه ونصح مباشر، بل التوجيه المباشر للمستجيب من الشباب يوفر على الدعاة وقتًا طويلاً، وربما أعمارًا من انتظار التوجيه بالتلميح: فها هو يردف خلفه الفتى ابن عباس -رضي الله عنهما-، وفي هذا تربية عملية له على التواضع تجد تطبيقها في حياة ابن عباس -رضي الله عنهما-، وتواضعه، وإكباره بالعلماء كزيد بن ثابت حيث كان ينتظره على بابه في شدة الحر؛ ليطلب العلم.

وللقرب فائدة نفسية يستغلها النبي -صلى الله عليه وسلم- في توصيل المعاني العظيمة المباشرة للفتى الذكي؛ فيستوعبها وينقلها لنا، ووالله فإنه أفاد الأمة بدرر تحتاج لمجلدات لشرحها، عن حنش الصنعاني عن عبد الله بن عباس أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ)(رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

فيوجهه هنا بشكل مباشر ويلفت نظره لما سيذكره بقوله: (أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ)، ثم يشرع في التوجيه بعد التحفيز.

وبمثل هذا كان موقفه -صلى الله عليه وسلم- مع معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، فعنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: (يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ(رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني)، فسبحان الله العظيم يبدأ بتليين قلبه، ولفت نظره بقوله: (إِنِّي لأُحِبُّكَ)! وفي هذا تحفيز للعاطفة؛ فما بالك بفتى يخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه يحبه -فداه أبي وأمي-، ثم يشرع بعدها في التوجيه الذي تستقبله نفس شغوفة بتعرف ما يهديه إليها حبيبها.

دعونا نذكر مواقف أخرى -غير المذكورة آنفًا- فيها الجمع بين التوجيه ومراعاة الحاجات النفسية للشباب، فعن مالك بن الحويرث -رضي الله عنه- قال: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَحِيمًا رَقِيقًا؛ فَظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا عَنْ مَنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا؟ فَأَخْبَرْنَاهُ. فَقَالَ: (ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ(متفق عليه).

فانظر كيف أقام لهم تلك الدورة التوجيهية والتربوية لمدة عشرين يومًا ومن بعد ذلك يسألهم عن أحوالهم وعن أهليهم؟! وفي هذا مزيد تعرف عليهم، وفيه تقرب وإزالة حواجز، وإدراك من الداعية الحصيف لأهمية إظهار الاهتمام بالشؤون الشخصية العامة لكل من يدعوهم؛ ليحل المشاكل، أو ليتعرف على المواهب؛ وليستخرج ما لدى كل واحد منهم من معارف وعلاقات.

ثم بعد ذلك يوصيهم بما يجب عليهم من الدعوة والتعليم، وتطبيق ما تعلموه منه، وهذا توجيه مباشر ومجمل، ثم يوصيهم بأهم وصية يجب الاعتناء بها، وهي: الصلاة، يصلونها كما رأوه -صلى الله عليه وسلم- يصليها، وبعدها يرشدهم إلى عدم إغفال من هم أكبر منهم حتى لا تأخذ الشباب فورة القوة، والفرح بما عندهم فيتنكرون للكبار.

وانظر كيف يتفرس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشاب -بعد مثل تلك الجلسات-، ويطلع على قدراته ومواهبه؛ فيسند له مهامًا كبيرة؛ فيرسل مصعبًا إلى المدينة مبلغًا عنه دين الله -تعالى-، فما أخطأت فراسته فيه -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ فتح الله قلوب أهل المدينة وسادتها على يديه، وبحسن منطقه وكريم خلقه استطاع أن يكسب القلوب، ويمهد الطريق للدولة المسلمة، وبرأيي أن لمصعب -رضي الله عنه- منة على المسلمين جميعًا -حاشا رسول الله- بهذا العمل!

وقلْ مثل ذلك في تقديره -صلى الله عليه وسلم- لمواهب زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، وإسناده مهمة في غاية الأهمية بالنسبة لأي حاكم، وهي: أن يترجم له ويفحص ما يكتب عنه فيما بينه وبين اليهود، وكما نعلم أن مثل هذه المهمة خطيرة بسبب ما كان بين المسلمين واليهود من حساسية في ذلك الوقت، وهذا ما حدث به زيد عن نفسه؛ فعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ زَيْدًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ، قَالَ زَيْدٌ: ذُهِبَ بِي إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُعْجِبَ بِي. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا غُلامٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَعَهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَةً؛ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: (يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي) قَالَ زَيْدٌ: فَتَعَلَّمْتُ كِتَابَهُمْ مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ، وَكُنْتُ أَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ إِذَا كَتَبَ. (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

فالشباب بحاجة إلى تقدير وإلى إعادة اكتشاف، وإلى إعطاء فرصة تتناسب مع قدراتهم -وليس مع وسائطهم ولا مجاملة لهم- في زمن صار تجاهل المواهب، وترك تقديرها، واحتكار الفرص ديدن الكبار في أغلب المجالات -إلا من رحم الله!-.

تعالَ الآن ننتقل إلى نقطة أخرى في رعاية النبي -صلى الله عليه وسلم- للشباب، وإدراكه لاختلافهم عن غيرهم.

انظر كيف كان -صلى الله عليه وسلم- يراعي اشتياق الشاب لأهله، ومن ذلك أيضًا: ما ورد في البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سافرت معه -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره، فلما أن أقبلنا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَى أَهْلِهِ فَلْيُعَجِّلْ).

وفي رواية أخرى: نلحظ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يُراعي الشباب لا سيما في أمر شهوتهم؛ ففي الحديث عَنْ جَابِرِ بْنِ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb



جزاكم الله خيرا على زيارة أتشرف بها وأسأله تعالى أن ينفعنى وإياكم بالعلم النافع ويرزقنا حُسن الخاتمة  آمين وأسألكم الدعاء


التالي