دعوى إباحة الإسلام الاغتيال والإرهاب (*)
يدعي بعض المغرضين أن الشريعة الإسلامية تأمر بالإرهاب والقتل، ويستدلون على ذلك بما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أرسل أحد أصحابه لقتل كعب بن الأشرف، ويتساءلون: كيف يمكن التعايش مع أناس عقيدتهم تحثهم وتشجعهم على قتل الأنفس وسفك الدماء؟!! ويرمون من وراء ذلك إلى إقصاء الناس عن هذا الدين بوصفه دين الرعب والتخويف والإرهاب، وتشكيك المسلمين فيما تيقنونه من سماحة الإسلام ورحمته.
وجوه إبطال الشبهة:
1) الإرهاب معناه التخويف والإفزاع، وقيل: إن هذا المصطلح عام ينسحب في مفهومه على الذين يسلكون سبلا غير أخلاقية ولا مشروعة لتحقيق بعض الأهداف، كأن تكون سياسية أو اقتصادية أو شخصية..الخ.أما العنف، فهو أن تستخدم فئة القوة المادية في غير موضعها وبدون ضابط من خلق أو شرع أو قانون، والإسلام بريء من الإرهاب والعنف كليهما.
2) الإسلام دين الرحمة الكاملة بالإنسانية كلها، سواء فيها المسلمون وغيرهم، فقد حذر الإسلام أشد التحذير من ترويع الناس وإخافتهم وإشاعة الذعر في نفوس العباد.
3) لم يكن قتل "كعب بن الأشرف" من قبيل الإرهاب، إذ على الرغم من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - معه، إلا أنه أخذ في هجاء النبي والتشبيب بنساء المسلمين، وتحريض أهل مكة على المسلمين، فكان مستحقا للقتل من أكثر من وجه.
4) لقد كان حريا بمن نسبوا الإرهاب إلى الإسلام أو الإسلام إلى الإرهاب - وهو منه براء - أن ينسبوه إلى الإرهابيين حقا، الذين يسفكون دماء الأبرياء بغير حق، فلماذا يتهم الإسلام بالإرهاب رغم سماحته وخلوه من الأفكار الإرهابية التي تنتشر بين تعاليم الملل والنحل الأخرى؟!
التفصيل:
أولا. الفرق بين العنف والإرهاب وبراءة الإسلام منهما:
الإرهاب معناه في اللغة: التخويف والإفزاع والرهبة، أي الخوف والفزع، وأرهبه واسترهبه أي أخافه وأفزعه، ويصف القرآن الحكيم ما فعله السحرة بفرعون وجنوده بقوله عز وجل: )واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم (116)( (الأعراف)، أي: استدعوا رهبتهم حتى يرهبهم الناس. ولفظ "الإرهابيون" في مفهوم العصر الراهن يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسية.
ذلك هو المراد على وجه العموم بحقيقة الإرهاب والإرهابيين. وقيل: هذا المصطلح عام ينسحب في مفهومه على الذين يسلكون سبلا غير أخلاقية ولا مشروعة لتحقيق بعض الأهداف، كأن تكون سياسية أو اقتصادية أو شخصية أو غير ذلك من وجوه المصالح والأهواء غير المشروعة. وبصورة أدق حتى نتبين المفهوم الدقيق للإرهاب، نوضح الفرق بينه وبين العنف، فإن تحديد المفاهيم ضرورة علمية حتى لا تبقى هذه الكلمات الخطيرة مائعة هلامية، يفسرها كل فريق بما يحلو له، ويتبع هواه.
والعنف - فيما نرى - أن تستخدم فئة القوة المادية في غير موضعها، وتستخدمها بغير ضابط من خلق أو شرع أو قانون، ومعنى (في غير موضعها) أن تستخدم حيث يمكن أن تستخدم الحجة أو الإقناع بالكلمة والدعوة والحوار بالتي هي أحسن، وهي حين تستخدم القوة لا تبالي من تقتل من الناس، ولا تسأل نفسها:
أيجوز قتلهم أم لا؟ وهي تعطي نفسها سلطة المفتي والقاضي والشرطي.
أما الإرهاب، فهو أن تستخدم العنف فيمن ليس بينك وبينه قضية، وإنما هو وسيلة لإرهاب الآخرين وإيذائهم بوجه من الوجوه وإجبارهم على أن يخضعوا لمطالبك، وإن كانت عادلة في رأيك.
ويدخل في ذلك: خطف الطائرات، فليس بين الخاطف وركاب الطائرة - عادة - قضية، ولا خلاف بينه وبينهم، إنما يتخذهم وسيلة للضغط على جهة معينة، مثل حكومة الطائرة المخطوفة لتحقيق مطالب له، كإطلاق مساجين أو دفع فدية أو نحو ذلك، وإلا قتلوا من قتلوا من ركاب الطائرة، أو فجروها بمن فيها.
كما يدخل في ذلك: احتجاز رهائن لديه، لا يعرفهم ولا يعرفونه ولكن يتخذهم وسيلة ضغط لتحقيق مطالبه، أو يقتل منهم من يقتل.
هذا هو مفهوم العنف والإرهاب، وكلاهما ندينه ولا نرضى به، فإذا كنا ندين العنف بصفة عامة، فنحن ندين الإرهاب بصفة خاصة؛ لما فيه من اعتداء على أناس ليس لهم أدنى ذنب يؤاخذون به: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( (فاطر:18)، ولما فيه من ترويع البرآء الآمنين، فمن هدف إلى قتل أناس أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل في الحرب السياسية، فعمله مجرم ومحظور شرعا. إننا ندين الإرهاب بكل صوره، مهما كانت دوافعه ومنطلقاته خيرة في نظر أصحابه.
فمن المعلوم أن الإسلام يرفض الفلسفة التي تقول: "الغاية تبرر الوسيلة"، فالإسلام يلتزم ويلزم بشرف الغاية وطهر الوسيلة معا، ولا يجيز بحال من الأحوال الوصول لغاياته الشريفة بطرق غير نظيفة، لا يجيز للمسلم أن يأخذ الرشوة مثلا، أو يختلس المال ليبني به مسجدا أو يقيم به مشروعا خيريا «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا»([1]).
ثانيا. الإسلام دين الرحمة بالإنسانية كلها، سواء فيها المسلمون وغيرهم:
عرفنا أن الإرهاب هو أن تستخدم العنف فيمن ليس بينك وبينه قضية، وإنما هو وسيلة لإرهاب الآخرين وإيذائهم بوجه من الوجوه، فهل عرف الإسلام هذا النوع من العنف؟
نريد أن نبين للعقلاء والمنصفين ولكل ذي طبع سليم ولكل ذي ضمير يقظ، أن الإسلام أبعد العقائد والملل والفلسفات والشرائع عن الإرهاب، بل إن الإسلام دين الرحمة الكاملة بالإنسانية كلها سواء فيها المسلمون وغير المسلمين.
إن الإسلام بعقيدته السمحة والسهلة والميسرة قد جيء به أصلا لإشاعة الرحمة والأمن والسلام في هذه الدنيا، ولانتزاع أسباب الظلم والقهر والإرهاب بكل صوره وألوانه.
ذلك هو الإسلام، النظام الأخلاقي الأمثل، قد جيء به لترسيخ قواعد الحق والخير والعدل في هذه الأرض، ومن أجل أن تقوم حياة الناس على الأمان والثقة والحرية بعيدا عن الفساد والتخريب والإذلال، بعيدا عن التسليط والترويع والترهيب.
وأصدق دليل على ذلك قول القرآن الكريم يخاطب الله فيه نبيه الكريم - رسول الرحمة والهداية للعالمين:)وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)( (الأنبياء).
وها هو ذا - صلى الله عليه وسلم - يقول عن نفسه: «إنما أنا رحمة مهداة».([2]) ولما أوذي النبي الكريم؛ إذ آذاه المشركون والمتكبرون والسفهاء وألحقوا به ألوانا من التعذيب والكيد طلب منه المستضعفون أن يدعو على المعاندين الظالمين فأبى وقال:" إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة"([3]).
والقرآن الكريم نفسه جمع فريد من السور المتعاقبة ذات الإيقاع العجيب الباهر والتأثير المدهش الفاخر وبعجائبه البلاغية المذهلة وبيانه المتفرد الفذ، جاء ليرسخ في الدنيا الأمن والرخاء والخير والرحمة، وليبدد من هذه الأرض كل أسباب الترهيب والظلم، قال عز وجل: )وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين((الإسراء:82).
والإسلام يحذر أشد التحذير من ترويع الناس وإخافتهم وإشاعة الذعر في نفوس العباد، وذلك بمختلف الأسباب والوسائل في الترويع أو الترهيب، سواء بالإشارة بالسلاح، أو التهديد بالكلام الظالم، أو بغير ذلك من أساليب تثير في نفس الآخرين الرهبة والوجل.
وفي مثل هذا جاء الحديث النبوي الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمؤمن أن يروع مسلما»، وقد جاء هذا الحديث في رجل تسبب في فزع مسلم، إذ أخذ منه نعله وهو نائم على سبيل المداعبة، فانتبه فزعا فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما»([4]).
وعن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار»([5]).
وحتى في الحروب الإسلامية التي تلتحم فيها الجيوش بعضها مع بعض،لا يقتل إلا من يقاتل، و«لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة مقتولة في إحدى الغزوات أنكر ذلك وقال: "ما كانت هذه لتقاتل».([6]) ونهى عن قتل النساء والصبيان.
إلى غير ذلك من النصوص في النهي عن ترويع الإنسان لأخيه الإنسان سواء كان ذلك بالإشارة باليد أم بالسلاح أم بغير ذلك من أشكال التخويف التي تثير القلق أو الرعب في نفوس السامعين أو الناظرين، وسواء أكان ذلك مزاحا أم جدا.
ولئن كان هذا النهي أو التحذير بهذه الشدة المغلظة في حق التخويف للأفراد، أي: في حق الذين يروعون الناس أفرادا، فلا جرم أن يكون النهي والتحذير أشد في حق من يعتدي على المجتمع بترويعه وتخويفه وإثارة الرعب والفتنة والفوضى في صفوفه.
ولا ينبغي أن يفهم واحد أن هذه النصوص إنما ذكر فيها المسلم وحده فهي إذن خاصة به دون غيره من أهل الكتاب، فمثل هذا الفهم زلل ووهم، وإنما ذكر المسلم بالاسم بالنظر للأكثرين في المجتمع الإسلامي، والأكثرون هم المسلمون، فنسبتهم الغالبة والكبيرة.
وإذا ذكر الأغلب أو الأكثر فإنما يراد به المجتمع كله؛ مسلمون ويهود ونصارى، وذلك من غير تعصب ولا محاباة لأحد ضد آخر، ومن غير تفريق في ذلك بين أبناء المجتمع الواحد، بغض النظر عن ديانتهم وما يعتقدون، إذا فإن ذكر المسلم في النصوص إنما هو لحصول الكثرة في الأعداد، وللغالب الأكثر حكم الكل، ومما يدل على ذلك قوله عز وجل: )من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا( (المائدة:32)، من أجل ذلك أي: من أجل وجود هذه النماذج البشرية… من أجل الاعتداء على المسالمين الوادعين الخيرين الطيبين، الذين لا يريدون شرا ولا عدوانا… ومن أجل أن الموعظة والتحذير لا يجديان في بعض الجبلات المطبوعة على الشر، من أجل ذلك كله جعلنا جريمة قتل النفس الواحدة كبيرة، تعدل جريمة قتل الناس جميعا، وجعلنا العمل على دفع القتل واستحياء نفس واحدة عملا عظيما يعدل إنقاذ الناس جميعا.
إن قتل نفس واحدة في غير قصاص وفي غير دفع فساد في الأرض يعدل قتل الناس جميعا؛ لأن حق الحياة واحد ثابت لكل نفس. ومما يدل على ذلك أيضا قوله عز وجل: )وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6)( (التوبة).
يقول الشيخ سيد قطب في "الظلال": "إن هذا الدين إعلام لمن لا يعلمون، وإجارة لمن يستجيرون حتى من أعدائه الذين شهروا عليه السيف وحاربوه وعاندوه، ولكنه إنما يجاهد بالسيف ليحطم القوى المادية التي تحول بين الأفراد وسماع كلام الله، وتحول بينهم وبين العلم بما أنزل الله، فتحول بينهم وبين الهدى، كما تحول بينهم وبين التحرير من عبادة العبيد، وتلجئهم إلى عبادة غير الله… ومتى حطم هذه القوى، وأزال هذه العقبات، فالأفراد - على عقيدتهم - آمنون في كنفه، يعلمهم ولا يرهبهم، ويجيرهم ولا يقتلهم، ثم يحرسهم ويكفلهم حتى يبلغوا مأمنهم… هذا كله وهم يرفضون منهج الله.
وفي الأرض اليوم من أنظمة ومناهج وأوضاع من صنع العبيد، لا يأمن فيها من يخالفها من البشر على نفسه ولا على عرضه ولا على حرمة واحدة من حرمات الإنسان"([7]).
على أننا مع ذلك كله نتساءل عن هذه الفرية المكذوبة باتهام المسلمين بالإرهاب:
هل الذين يدفعون عن أنفسهم الشر والضيم يجاهدون للتحرر من أسر الذل والاستبداد إرهابيون؟ هل الدفاع عن النفس إرهاب؟ وهل الانتفاض في شجاعة وحمية وحماسة درءا للهوان والظلم والاستعمار والعبودية إرهاب؟ وهل الدعوة للإسلام ليشيع وينتشر وليستظل الناس بظله الكريم لكي تترسخ قواعد الأمان والاستقرار والسلام إرهاب؟ هل نزعة المسلمين العارمة الغاضبة في هذا الزمان من أجل التحرير ومحو العار الذي خلفه ظلم الاستعمار إرهاب؟
ثالثا. قتل كعب بن الأشرف ليس من قبيل الإرهاب، بل كان جزاء له على جرمه:
قبل الخوض في حادث مقتل كعب بن الأشرف لا بد من التعرض ولو بشيء من الإيجاز إلى تاريخ اليهود الأسود، وعلاقتهم بالدولة الإسلامية في مهدها وبداية نشأتها، خاصة أن كعبا هذا كان يهوديا:
· بنو إسرائيل في المرجعية الإسلامية:
حظي بنو إسرائيل في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنصيب وافر من الإحاطة والشمول لكافة ما يتعلق بالعقيدة الإلهية ودور الدين ووظيفته في حياة البشر، استهدف الكشف عن بيئة الرسالة ونوعية المؤمنين بها والمعاندين لها من بني إسرائيل.
وبحكم كون القرآن هو كتاب الرسالة الخاتمة العامة للناس كافة، والتي ستنتقل بها النبوة على يد محمد - صلى الله عليه وسلم - من بني إسرائيل - بعد مطاف طويل الأمد بدأ بأبناء يعقوب وانتهى بالمسيح - عليه السلام - إلى بني إسماعيل، كان من المنطقي أن يقص هذا القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ما يمكن أن يعين على فهم طبيعة الرسالة الخاتمة إلى الناس جميعا، من هنا كان الخبر القرآني في كل ما يتعلق بالتاريخ الديني والسياسي لبني إسرائيل، فضلا عن خبره فيما انتهوا إليه من أمر العقيدة الدينية ونظرتهم إلى الأوامر الإلهية، خبرا مستفيضا يمتلئ بالدرس والعظة، فضلا عن تمييزه الحق من الباطل والخبيث من الطيب([8]).
فقد حكى القرآن كيف بدل بنو إسرائيل أركان الإيمان جميعها، فعاندوا المرسلين إما بالتكذيب أو بالقتل، وأعلنوا كفرهم بالله صراحة، وحرفوا الكتب المنزلة، وبعدوا عن الفهم الحقيقي للبعث والحساب؛ فاستحقوا لعنة الله في الدنيا وعقابه في الآخرة، وقد عرضت سورة البقرة - على سبيل المثال - لكثير من المنن التي تفضل الله بها على بني إسرائيل، وكيف قابلوها بتبديل العقيدة، ورفض النصح والإرشاد، واحتراف التزييف والتحريف والجدل والغدر ونقض العهود، والاستهانة بالأخلاق والحرمات والشرائع والاستعلاء العنصري والإلحاد المطلق، وكون كل ذلك من مفاتيح النفسية والشخصية اليهودية، وانتهت إلى أن الصراع بين الحق والباطل مستمر؛ لأن الباطل غير ساكن، ولا يلتزم بالآداب العامة والأخلاق الفاضلة التي تدعو إليها الأديان:)وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61)( (البقرة)، وأن نتيجة هذا الصراع ستئول في النهاية - مهما طال الأمد - إلى جانب الحق.
وهذا ما يؤكده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود»([9]) ([10]).
· تطور علاقة المسلمين باليهود:
لم تكن الهجرة فرارا بالدين خشية الفتنة فيه فحسب، بل كانت تعاونا على إقامة مجتمع جديد في بلد آمن، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائد هذا المجتمع، وإليه تنتهي أزمة الأمور بلا منازع، وقد كان يقطن المدينة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته من المهاجرين والأنصار أقوام تختلف طبائعهم ومشاربهم وهم: المشركون من أهل يثرب - المدينة المنورة - من الأوس والخزرج واليهود، وهؤلاء الأخيرون سكن منهم يثرب ثلاث قبائل مشهورة هي: بنو قينقاع كانوا حلفاء الخزرج، وكانت ديارهم داخل المدينة، وبنو النضير وبنو قريظة، وهاتان القبيلتان كانتا حلفاء الأوس، وكانت ديارهما بضواحي المدينة، وقد كانت هذه الطائفة - اليهود - تثير الحروب وتؤججها بين الأوس والخزرج.
وفي سبيل بناء المجتمع الجديد خطا النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة خطوات، منها: عقد معاهدة مع اليهود لاستيعابهم ضمن نسيج المجتمع الجديد، ولئن كان يهود المدينة ومجاوراتها يبطنون العداوة للمسلمين ورسولهم، فإنهم لم يكونوا قد أظهروها بعد، فعقد معهم الرسول معاهدة ترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، ولم يتجه ابتداء إلى سياسة الإبعاد أو المصادرة والخصام على أن يتناصروا معا في الدفاع عن مدينتهم ضد كل معتد، وبإبرام هذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقية، عاصمتها المدينة ورئيسها - إن صح التعبير - الرسول، والكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين، وبذلك أصبحت المدينة عاصمة دولة المسلمين، على أن اليهود - كما هو معروف من وقائع التاريخ - قد نقضوا بنود هذه المعاهدة وخانوا وغدروا مرة بعد أخرى، فنالوا جزاءهم المناسب في كل مرة بما يناسب جرمهم ويكافئ جريمتهم(
























تعرض الأقباط في مصر قبل الفتح الإسلامي لاضطهادٍ قاسٍ على أيدي البيزنطيين، ومن ثَمَّ رأوا في القوة الإسلامية الداخلة الأمل بالخلاص مما هم فيه، فساندوها، ورحبوا بدخول المسلمين أرض مصر، لكن هذه المساندة كانت صامتة في بادئ الأمر، أي حيادية.